من أزمة الذبيحة الحلال إلى جشع الأسعار.. هل أصبح لحم الجالية المسلمة في أوروبا سلعة فوق القدرة الشرائية؟

بوشعيب البازي

Screenshot

حين تتحول الحاجة الدينية إلى سوق مغلقة، وتصبح القدرة على شراء اللحم امتيازاً لا يتوفر للجميع، يبرز سؤال محرج: من يحمي المستهلك المسلم من بعض ممارسات تجار اللحوم؟

لم تكن الجالية المغربية والمسلمة في أوروبا بحاجة إلى أزمة جديدة تضاف إلى متاعبها اليومية مع تكاليف المعيشة، لكن يبدو أن رحلة الحصول على كيلوغرام من اللحم أصبحت بدورها اختباراً للقدرة على الاحتمال. فبعد الجدل المرتبط بالذبيحة الحلال، وما رافقه من صعوبات في التزود باللحوم التي تستجيب للمعتقدات الدينية، جاء دور الأسعار التي قفزت إلى مستويات يصعب تبريرها في نظر عدد متزايد من المستهلكين.

في عدد من محلات الجزارة بأوروبا، أصبح سعر كيلوغرام اللحم يتراوح بين 13 و16 يورو، بل يتجاوز ذلك في بعض الحالات بحسب نوع اللحم ومصدره. وهي أسعار تطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسر مهاجرة تضم عدة أفراد، وتجد نفسها أمام معادلة غير متكافئة: إما القبول بالأسعار المفروضة، أو التخلي عن منتج أساسي في نظامها الغذائي.

المفارقة أن اللحوم الحلال، التي يفترض أن تكون جزءاً من سوق تجارية تستجيب لطلب شريحة واسعة من السكان، تبدو في بعض المناطق وكأنها سوق لا تخضع بالقدر الكافي لمنافسة حقيقية. وهنا تبدأ المشكلة: هل يتعلق الأمر بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة والأجور، أم أن بعض التجار وجدوا في خصوصية الطلب الديني فرصة لتوسيع هوامش أرباحهم على حساب مستهلك لا يملك دائماً بدائل مناسبة؟

من وراء الكواليس إلى البث المباشر على تيك توك

اللافت في هذا الملف أن النقاش لم يعد محصوراً داخل محلات الجزارة أو في الأحاديث اليومية بين أفراد الجالية. فقد انتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث ظهر بعض الجزارين في بثوث مباشرة على تطبيق «تيك توك»، بمشاركة حسن بروكسل، للحديث عن الأسعار وكشف ما يعتبرونه مظاهر للمغالاة والممارسات غير السليمة داخل القطاع.

وإذا كان من غير المهني اعتبار كل ما يقال في البثوث المباشرة حقائق ثابتة، فإن خروج مهنيين من داخل القطاع للحديث عن اختلالاته يطرح تساؤلات تستحق التحقيق. فحين يتحدث بعض العاملين في المهنة عن تفاوتات غير مبررة في الأسعار، أو عن خروقات محتملة في شروط البيع والتسويق، يصبح من الضروري الانتقال من تبادل الاتهامات إلى التحقق من الوقائع.

فالسوق لا يمكن أن تتحول إلى فضاء تحكمه الأسعار التي يقررها كل تاجر وفق تقديره الخاص، ولا ينبغي أن تكون صفة «حلال» مبرراً لفرض أثمنة استثنائية دون تفسير واضح لمكونات التكلفة ومصدر المنتوج وشروط تسويقه.

المستهلك المسلم ليس زبوناً بلا خيارات

المشكلة الأعمق لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في طبيعة العلاقة بين بعض التجار والمستهلكين. فهناك من يتعامل مع الجالية المسلمة باعتبارها سوقاً مضمونة، بحكم ارتباط استهلاكها للحوم بشروط دينية محددة. وكأن الالتزام بهذه الشروط يمنح بعض المحلات حصانة تجارية، ويجعل المستهلك مضطراً إلى القبول بما يعرض عليه، مهما ارتفع الثمن.

لكن الانتماء إلى الجالية أو احترام المعتقدات الدينية لا يعني التخلي عن أبسط الحقوق الاقتصادية. فالمستهلك المسلم له الحق في معرفة مصدر اللحوم، وطريقة ذبحها، وشروط حفظها، وسعرها الحقيقي، كما له الحق في الحصول على منتوج مطابق للمعايير الصحية والقانونية المعمول بها في البلد الذي يقيم فيه.

والأخطر أن أي تجاوزات محتملة في هذا القطاع لا تضر بالمستهلك وحده، بل تسيء أيضاً إلى التجار النزهاء الذين يحترمون قواعد المهنة ويواجهون المنافسة في ظروف صعبة.

هل المقاطعة هي الحل؟

أمام هذا الوضع، يطرح سؤال المقاطعة نفسه بإلحاح: هل ينبغي للجالية المسلمة أن تقاطع محلات الجزارة التي تفرض أسعاراً مبالغاً فيها، أم أن هناك وسائل أكثر فاعلية لمعالجة الاختلالات؟

المقاطعة الاقتصادية تظل وسيلة مشروعة عندما تكون مبنية على معطيات واضحة، وتستهدف الممارسات التجارية غير المنصفة، لا جنسية أصحاب المحلات أو أصولهم. فلا يجوز تحويل النقاش حول الأسعار إلى مواجهة بين المغاربة والجزائريين أو بين أبناء الجاليات المغاربية. فالجشع، إن ثبت، لا يحمل جنسية، كما أن احترام المستهلك ليس امتيازاً يمنحه التاجر وفق خلفيته أو انتمائه.

والأجدى أن تتجه الجالية نحو تنظيم قدرتها الشرائية، ومقارنة الأسعار بين المحلات، والتبليغ عن المخالفات المثبتة، وتشجيع الجزارين الذين يوفرون منتجات مطابقة للمعايير بأسعار معقولة. كما يمكن للجمعيات الاستهلاكية والهيئات المهنية أن تلعب دوراً في المطالبة بمزيد من الشفافية بشأن مصادر اللحوم وسلاسل التوريد وهوامش التسعير.

أما السلطات الرقابية الأوروبية، فعليها أن تتعامل مع هذا القطاع باعتباره نشاطاً تجارياً يخضع للقوانين نفسها التي تنظم بقية الأنشطة الغذائية، من حيث النظافة والتتبع والفوترة والإشهار وحماية المستهلك، دون تساهل أو انتقائية.

حين يصبح الحلال مكلفاً أكثر مما ينبغي

ليس المطلوب من الجزار أن يبيع بخسارة، ولا من المستهلك أن يفرض على التاجر هامش ربح يحدده بنفسه. المطلوب ببساطة هو سوق شفافة، ومنافسة عادلة، وأسعار يمكن تفسيرها، واحترام متبادل بين الطرفين.

فمن غير المقبول أن تتحول حاجة الجالية إلى الغذاء الحلال إلى فرصة للاستفادة من محدودية خياراتها. وليس من المعقول أيضاً أن يصبح شراء كيلوغرام من اللحم مناسبة لإعادة ترتيب ميزانية الأسرة.

وإذا كان بعض الجزارين قد اختاروا الظهور على «تيك توك» لكشف ما يعتبرونه تجاوزات داخل مهنتهم، فإن الخطوة التالية ينبغي ألا تظل مجرد سجال افتراضي أو تبادل للاتهامات أمام آلاف المتابعين، بل فتح نقاش مهني جدي، مدعوم بالأرقام والفواتير والمعطيات القابلة للتحقق.

فالسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس من هو الجزار الذي يبيع بأغلى سعر، بل لماذا أصبح المستهلك المسلم في بعض الأسواق الأوروبية يشعر بأنه يدفع ثمناً إضافياً لمجرد رغبته في احترام شروط غذائه الدينية؟

ولعل المفارقة الأكثر سخرية أن الحلال، الذي يفترض أن يرتبط بالوضوح والأمانة في المعاملة، أصبح عند بعض التجار ملفاً تجارياً يحتاج المستهلك إلى خبير اقتصادي لفهم فاتورته!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com