الشخصية المغربية بين المرجعية الروحية وتعدد الروافد الثقافية: نحو نموذج متوازن للهوية الجامعة
بوشعيب البازي
في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تطرحه من تحديات على مستوى الهويات الوطنية وإعادة تعريفها، يبرز مشروع فكري متميز للدكتور عبد الله بوصوف يسعى إلى مقاربة الشخصية المغربية من منظور تركيبي يجمع بين البعدين الديني والثقافي، من خلال عملين متكاملين يقدمان قراءة معمقة لخصوصية هذه الشخصية وتوازنها التاريخي.
ينطلق كتاب “إمارة المؤمنين: المرجعية الروحية لوسطية الإسلام” من تحليل البنية الدينية التي تؤطر التدين المغربي، مبرزًا كيف تشكلت هذه المرجعية عبر قرون من التفاعل بين النص الديني والسياق التاريخي والاجتماعي. فالتدين المغربي، كما يقدمه الدكتور عبد الله بوصوف، ليس مجرد ممارسة شعائرية، بل هو نسق قيمي متكامل يقوم على الاعتدال والوسطية، مستندًا إلى مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها ضامنًا للوحدة الدينية وحارسًا للتوازن العقدي. ويبرز الكتاب كيف أسهمت هذه المؤسسة في ترسيخ نموذج إسلامي منفتح، يراعي مقاصد الشريعة، وينبذ النزعات المتطرفة، ويؤسس لعلاقة قائمة على الحوار والتعايش مع الآخر، في انسجام مع الخصوصية الحضارية للمغرب.
في المقابل، يأتي كتاب “تمغربيت” ليقارب البعد الثقافي للشخصية المغربية، باعتبارها نتاجًا لتراكمات تاريخية وحضارية متعددة. فـ“تمغربيت” ليست مجرد مفهوم هوياتي، بل هي تعبير عن دينامية ثقافية غنية، تتقاطع فيها روافد متعددة: عربية، أمازيغية، إفريقية، أندلسية ومتوسطية. ويحلل هذا العمل كيف استطاعت هذه المكونات، رغم تنوعها، أن تنصهر ضمن إطار من الوحدة والانسجام، منتجة نموذجًا ثقافيًا متفردًا يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع التحولات، دون التفريط في الثوابت.
وتكمن أهمية المشروع الفكري الذي يجمع بين هذين العملين في كونه يبرز الطبيعة المركبة والمتوازنة للشخصية المغربية، حيث لا يُنظر إلى البعدين الديني والثقافي باعتبارهما مجالين منفصلين، بل كعنصرين متكاملين يشكلان معًا جوهر الهوية الوطنية. فالشخصية المغربية، في هذا التصور، هي شخصية متشبثة بثوابتها الروحية، وفي الآن ذاته منفتحة على محيطها الثقافي، قادرة على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى مصدر غنى بدل أن يكون عامل انقسام.
إن هذا التلاقي بين المرجعية الدينية القائمة على الوسطية، والهوية الثقافية القائمة على التعدد، يمنح “تمغربيت” بعدًا نموذجيًا في تدبير التنوع، ويجعل من التجربة المغربية نموذجًا قابلًا للدراسة والاستلهام في سياقات إقليمية ودولية تواجه تحديات مماثلة. كما يفتح هذا المشروع آفاقًا جديدة للتفكير في سبل تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال ترسيخ قيم التسامح والتعايش، وربطها بمرجعيات مؤسساتية وثقافية راسخة.
وبذلك، لا يقتصر هذان الكتابان على تقديم قراءة وصفية للشخصية المغربية، بل يسهمان في بناء تصور نظري متكامل حول الهوية، يزاوج بين الأصالة والتجدد، ويؤكد أن قوة المغرب تكمن في قدرته التاريخية على تحقيق التوازن بين مكوناته المختلفة، وصياغتها في قالب حضاري منسجم ومتماسك.