مغرب الغد… أم مغرب الأمس بميكروفون جديد؟
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول “حركة مغرب الغد”، التي رُوّج لها كإطار جامع لأصوات الجالية المغربية، إلى واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في السنوات الأخيرة. فالمشروع الذي بدأ بشعارات كبيرة عن “تمثيل مغاربة العالم” و“رفع صوت المظلومين”، انتهى إلى سلسلة من الصراعات الداخلية، والاتهامات المتبادلة، والقصص التي تصلح أكثر لكتابة رواية بوليسية منها لبناء تنظيم مدني. وما زاد الطين بلة هو خروج أحد قيادييها السابقين، هشام جيراندو، ليكشف ما اعتبره “خيوط اللعبة” التي كانت تُدار من وراء الستار، في مشهد لا يخلو من السخرية السوداء.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن الحركة تتأرجح بين باريس وبروكسيل، بين الوعود الوردية والخطابات النارية، وبين الطموح السياسي والارتجال التنظيمي. ففي بروكسيل تحديداً، حيث كان يُفترض أن يكون العمل أكثر مهنية، ظهرت روايات عن أعضاء كانوا يستعملون موقعهم داخل الحركة لتصفية حسابات شخصية مع أفراد من الجالية، عبر تمرير معلومات غير دقيقة أو مضخمة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كانت الحركة إطاراً مدنياً أم مجرد منصة لتبادل القصص والوشايات؟ وهل كان الهدف فعلاً خدمة الجالية أم خدمة الأنا؟
وتزداد الأسئلة إلحاحاً حين نصل إلى العلاقات المتشابكة بين بعض الوجوه داخل الحركة، والعلاقة التي ربطت هشام جيراندو ببعض الأعضاء الذين لعبوا أدواراً محورية في مسار التنظيم. فبين الروايات التي تتحدث عن تنسيق، وتلك التي تتحدث عن تضليل، يبقى الغموض سيد الموقف. ولا يمكن الجزم بأي مسؤولية قانونية دون أحكام قضائية، لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن طبيعة هذه العلاقات، وعن مدى تأثيرها على القرارات التي اتُّخذت، وعن ما إذا كانت بعض هذه القرارات مبنية على معطيات موضوعية أم على روايات شخصية لا تخلو من المبالغة.
المفارقة أن الحركة وُلدت في سياق سياسي واجتماعي حساس، حيث كان المغرب يعيش على وقع احتجاجات الريف وجرادة، وكانت الجالية المغربية تتابع المشهد بقلق وأمل في آن واحد. وفي الوقت الذي كان يُنتظر من الحركة أن تقدم خطاباً عقلانياً ومسؤولاً، تحولت تدريجياً إلى فضاء للوعود الفضفاضة، والقصص التي تُروى بنبرة درامية عن “القصور” و“الاتصالات” و“النفوذ”، وكأننا أمام مسلسل سياسي طويل بطلُه شخص واحد، والجميع يدور في فلكه.
ولعل أكثر ما أثار السخرية هو الطريقة التي كانت تُدار بها الحركة، حيث اختلط العمل المدني بالخيال السياسي، وامتزجت لغة المعارضة بلغة الحكاية، حتى بدا أن التنظيم يعيش على وقع “التنويم الخطابي” أكثر مما يعيش على التخطيط الواقعي. فكلما سقط عضو أو انسحب آخر، ظهرت قصة جديدة، ووعد جديد، واتهام جديد، وكأن الحركة كانت تُكتب فصلاً بعد فصل، لا تُبنى لبنة بعد لبنة.
أمام هذا المشهد، يصبح من المشروع المطالبة بفتح تحقيق من طرف السلطات المغربية حول طريقة اشتغال هذا الإطار، وحول مدى احترامه للقوانين المنظمة للجمعيات، وحول حقيقة ما جرى داخل فروعه في بلجيكا. و خصوصا بعض الأعضاء الذين كانوا يتواصلون مع هشام جيراندو و اعطائه معلومات مغلوطة على أفراد الجالية لمهاجمتهم ، فالمسألة لا تتعلق بتصفية حسابات، بل بحماية العمل المدني المغربي في الخارج من العبث، وضمان ألا تتحول قضايا الجالية إلى مادة للاستغلال أو المزايدات.
في النهاية، ما حدث داخل “مغرب الغد” ليس مجرد خلاف داخلي، بل درس سياسي واجتماعي حول هشاشة بعض المبادرات التي تُبنى على الأشخاص بدل المؤسسات، وعلى الخطاب بدل العمل، وعلى الوعود بدل البرامج. وحين يغيب المشروع الحقيقي، يصبح التنظيم مجرد مسرح، والممثلون يتصارعون على دور البطولة، بينما الجمهور—أي الجالية—يبقى في الصفوف الخلفية يتساءل: هل كان هذا فعلاً “مغرب الغد”… أم مجرد إعادة إنتاج لمغرب الأمس بميكروفون جديد؟