المغرب وإسبانيا: تنسيق أمني يغيّر معادلة الهجرة غير النظامية في غرب المتوسط
بوشعيب البازي
تشير أحدث المعطيات الصادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية إلى تحوّل نوعي في تدبير ملف الهجرة غير النظامية على الواجهة الغربية للمتوسط، عنوانه الأبرز تعزيز التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد، ونجاعة المقاربة المغربية متعددة الأبعاد في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر.
فخلال الأشهر الأولى من سنة 2026، تمكنت السلطات المغربية من إحباط ما مجموعه 73,640 محاولة للهجرة السرية نحو السواحل الإسبانية، وهو رقم يعكس، وفق مراقبين، مستوى غير مسبوق من اليقظة الميدانية وتكثيف المراقبة على مختلف المسارات البرية والبحرية. هذه الحصيلة لا تُقرأ فقط في بعدها الرقمي، بل في دلالاتها الاستراتيجية، إذ تؤكد انتقال المغرب من موقع “بلد عبور” إلى فاعل محوري في هندسة الأمن الحدودي الإقليمي.
تفكيك الشبكات: حرب استخباراتية مستمرة
في موازاة ذلك، أسفرت العمليات الأمنية المشتركة عن تفكيك نحو 300 شبكة إجرامية متخصصة في تهريب البشر، في سياق يتسم بتطور لافت في أساليب هذه التنظيمات. فقد باتت تعتمد هياكل أكثر تنظيماً، وتستثمر في وسائل لوجستية متقدمة، مع توسيع نطاق تحركاتها عبر الحدود، ما يعكس تحولاً في طبيعة التهديد من نشاط تقليدي إلى جريمة عابرة للأوطان ذات امتدادات معقدة.
هذا التحول فرض، بدوره، تطوير أدوات المواجهة، سواء عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي، أو من خلال تنسيق ميداني أكثر دينامية بين الأجهزة الأمنية في البلدين.
تراجع ملحوظ في تدفقات الهجرة
الأرقام المسجلة على مستوى الوصول إلى الأراضي الإسبانية تؤكد بدورها فعالية هذه المقاربة. فقد بلغ عدد المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول بطرق غير نظامية بين يناير ومارس 2026 ما مجموعه 6,218 مهاجراً، بانخفاض قدره 48.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
كما سجلت الهجرة عبر البحر تراجعاً لافتاً، مع وصول 159 قاربا فقط، أي بانخفاض نسبته 43.2 في المائة، ما يعكس تضييق الخناق على المسالك التقليدية، خاصة تلك المرتبطة بسواحل شمال المغرب.
غير أن هذا التراجع لا يعني نهاية الظاهرة، بل يكشف، بحسب السلطات الإسبانية، عن إعادة تشكيل مسارات الهجرة، مع تحول جزئي نحو مناطق أخرى، خصوصاً في غرب أفريقيا وبعض بلدان جنوب المتوسط، وهو ما يطرح تحديات جديدة تتطلب توسيع دائرة التعاون الإقليمي والدولي.
المغرب كفاعل استراتيجي في أمن الحدود
في هذا السياق، يؤكد الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية، محمد الطيار، أن المغرب بات يشكل “فاعلًا أساسياً في ضبط الحدود”، مشدداً على أن التنسيق الأمني مع إسبانيا ظل “وطيداً ومستمراً”، خاصة في ما يتعلق بتأمين محيط سبتة ومليلية، والحد من استغلالهما كنقط عبور للهجرة غير النظامية.
ويضيف أن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد شأناً أمنياً صرفاً، بل تفرض تضافر الجهود وتبادل المعلومات الحيوية لتحييد المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة، بل وحتى التهديدات الإرهابية التي قد تتقاطع مع شبكات التهريب.
إطار قانوني وإنساني متكامل
التعاون المغربي الإسباني لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يستند أيضاً إلى مرجعيات قانونية دولية، من بينها اتفاقية البحث والإنقاذ البحري لعام 1979، التي تؤطر عمليات الإنقاذ وتفرض تنسيقاً دولياً لضمان سلامة الأرواح في عرض البحر.
وفي هذا الإطار، تم إنقاذ 13,595 مهاجراً خلال الفترة نفسها، حيث استفادوا من رعاية طبية ومساعدات اجتماعية وإيواء، في تجسيد لمقاربة تسعى إلى تحقيق التوازن بين صرامة ضبط الحدود واحترام الكرامة الإنسانية.
كما استفاد 4,372 مهاجراً من برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، في ظروف منظمة وآمنة، وبالتنسيق مع البعثات الدبلوماسية، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو حلول مستدامة وإنسانية في تدبير الملف.
الهجرة في قلب السياسات الأوروبية
على المستوى الأوروبي، يندرج هذا التعاون ضمن توجه أوسع يعتبر الشراكات مع دول المصدر والعبور ركيزة أساسية في سياسة الهجرة واللجوء. فقد أشار تقرير حديث لمركز الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن التنسيق العملياتي بين المغرب وإسبانيا ساهم في خفض حالات رصد الهجرة غير النظامية عبر طريق غرب أفريقيا بنسبة 63 في المائة.
وفي المقابل، تستعد الحكومة الإسبانية لإطلاق خطة لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي، في خطوة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، تهدف إلى إدماج هذه الفئة في سوق العمل وتعزيز الدينامية الاقتصادية.
معادلة معقدة… وتوازن هش
تكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن تدبير ملف الهجرة لم يعد رهين المقاربات الأحادية، بل أصبح نتاج معادلة دقيقة تجمع بين الأمني والإنساني، الوطني والدولي. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز المغرب كشريك موثوق، استطاع أن يفرض نفسه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار الإقليمي.
غير أن التحدي الحقيقي يظل في القدرة على الحفاظ على هذا التوازن الهش، في ظل استمرار العوامل العميقة المحفزة للهجرة، من فوارق تنموية إلى أزمات سياسية ومناخية، ما يجعل من التعاون متعدد الأطراف خياراً استراتيجياً لا غنى عنه في السنوات المقبلة.