الخليج بين مطرقة التصعيد الأميركي وسندان الاستراتيجية الإيرانية: دبلوماسية “تفادي الفاجعة” في سياق صراع متعدد الأبعاد

بوشعيب البازي

تشهد منطقة الخليج مرحلة دقيقة من التوتر الجيوسياسي المتصاعد، في ظل تداخل التهديدات العسكرية مع الحسابات الدبلوماسية، عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي لوّح فيها باستهداف البنى التحتية المدنية في إيران في حال فشل التوصل إلى اتفاق. وفي هذا السياق، برزت دعوة السفير الإيراني لدى الكويت، محمد توتونجي، إلى دول الخليج لبذل أقصى الجهود الدبلوماسية “للحيلولة دون وقوع الفاجعة”، كإشارة سياسية تحمل أبعادًا تتجاوز ظاهرها التهدوي.

دبلوماسية موازية لسياسة “حافة الهاوية”

تعكس التصريحات الإيرانية نمطًا مألوفًا في سلوك طهران الإقليمي، يقوم على الجمع بين التصعيد العسكري المنضبط والدعوات الدبلوماسية. فبينما تواصل إيران تنفيذ هجمات صاروخية وعمليات عبر الطائرات المسيّرة ضد أهداف في المنطقة، تسعى في الوقت ذاته إلى تقديم نفسها كفاعل مسؤول يدعو إلى التهدئة. هذه الازدواجية ليست تناقضًا بقدر ما هي تجسيد لاستراتيجية “حافة الهاوية”، حيث يتم توظيف أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد لفرض معادلات ردع جديدة.

إن دعوة دول الخليج للتدخل لا تنفصل عن هذا السياق، بل تأتي كجزء من محاولة إيرانية لإعادة توجيه مسار الأزمة نحو قنوات الوساطة الإقليمية، بما يخفف من حدة الضغوط الأميركية ويمنح طهران هامش مناورة أوسع في التفاوض.

دول الخليج: الوسيط المُستهدف والفاعل الحرج

تضع هذه الدعوة دول الخليج أمام معادلة معقدة، إذ يُطلب منها لعب دور الوسيط في نزاع هي أحد أطرافه المتضررين بشكل مباشر. فالتصعيد الإيراني الأخير، الذي طال أهدافًا داخل المجال الخليجي، يقوّض الثقة اللازمة لأي وساطة فعالة، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه الدول على التوفيق بين حماية أمنها القومي والانخراط في جهود تهدئة إقليمية.

ومع ذلك، فإن الموقع الجيوسياسي والوزن الاقتصادي لدول الخليج، خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية، يمنحها دورًا لا يمكن تجاوزه. إذ يمر نحو 20% من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب أمني في المنطقة ذا تداعيات فورية على الاقتصاد العالمي.

البعد الاقتصادي: تهديد يتجاوز الجغرافيا

لا يقتصر خطر التصعيد على البعد العسكري، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي، حيث يُنذر أي استهداف للبنية التحتية أو تعطيل للملاحة في مضيق هرمز بحدوث صدمات في أسواق النفط والغاز. وفي هذا الإطار، تبدو الدعوة الإيرانية لدول الخليج محاولة لتدويل كلفة التصعيد، عبر التذكير بأن أي مواجهة لن تكون ثنائية بين واشنطن وطهران، بل ستطال مصالح جميع الفاعلين الإقليميين والدوليين.

استراتيجية مزدوجة: بين الردع والدعوة إلى الوساطة

تشير التحليلات إلى أن طهران تعتمد مقاربة مزدوجة تقوم على إرسال رسائل ردعية عبر العمليات العسكرية، بالتوازي مع فتح قنوات دبلوماسية عبر وسطاء إقليميين. هذه الاستراتيجية تتيح لإيران تحقيق عدة أهداف: أولها تثبيت قدرتها على التأثير في أمن المنطقة، وثانيها الضغط غير المباشر على الولايات المتحدة لتليين مواقفها، وثالثها تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفتها باهظة.

وفي هذا السياق، تكتسب دعوة “تفادي الفاجعة” دلالة تتجاوز بعدها الإنساني، لتصبح أداة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة، وإشراك دول الخليج كأطراف فاعلة في إدارة الأزمة.

نحو أي أفق؟

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تقف على مفترق طرق حاسم، حيث يتوقف المسار المستقبلي للأزمة على قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على موازنة منطق الردع مع ضرورات التهدئة. فالتقاعس عن احتواء التصعيد قد يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، ليس فقط على مستوى الأمن الإقليمي، بل أيضًا على صعيد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وفي المحصلة، تكشف الدعوة الإيرانية عن تعقيد المشهد الاستراتيجي في الخليج، حيث تتداخل أدوات القوة العسكرية مع الحسابات الدبلوماسية، في إطار صراع متعدد المستويات يصعب التنبؤ بمآلاته. وبين خطاب التهدئة وواقع التصعيد، تبقى دول الخليج أمام اختبار دقيق: هل تستطيع لعب دور الوسيط الفعّال، أم أنها ستجد نفسها مجددًا في قلب عاصفة جيوسياسية تتجاوز قدرتها على الاحتواء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com