تيك توك أو مصنع التفاهة الكبرى: حين يصبح البئيس نجماً والتافه قدوة

بوشعيب البازي

في الأزمنة القديمة، كان الصعود إلى الشهرة يحتاج إلى موهبة، أو علم، أو اجتهاد، أو على الأقل شيئاً من الوقار يحفظ لصاحبه ماء الوجه. أمّا اليوم، فقد اختصرت بعض المنصات الرقمية الطريق نحو “المجد” في هاتف ذكي، واتصال جيد بالإنترنت، ولسان منفلت لا يعرف من اللغة إلا شتائمها. وهكذا وُلد جيل جديد من “المؤثرين” الذين أثبتوا أن الإنسان يمكن أن يصبح مشهوراً دون أن يكون نافعاً، وأن يجمع المتابعين دون أن يجمع جملة سليمة.

منصة تيك توك، التي وُجدت أصلاً للترفيه والتعبير والإبداع، تحولت في كثير من الحالات إلى سوق أسبوعي مفتوح للتفاهة، حيث يرتفع سعر الصراخ، وتُتداول الشتائم كأنها أسهم رابحة، ويُكافأ من يثير القرف أكثر ممن يثير الفكر. فكلما انحدر المحتوى، ارتفع عدد المشاهدات، وكلما زادت الوقاحة، تضاعفت الأرباح.

حين يصبح الشارع مدرسة

في هذا العالم الافتراضي، ظهر نمط جديد من الشخصيات: أفراد بلا تكوين، بلا ثقافة، بلا تجربة تذكر، لكنهم يملكون موهبة نادرة في إثارة الضجيج. يخرج أحدهم من هامش الحياة اليومية، ربما من مهنة شريفة لا عيب فيها، ثم يقرر فجأة أن يتحول إلى “زعيم رأي”، فيجلس أمام الكاميرا ليوزع الشتائم، ويقدم نفسه مرشداً أخلاقياً، وهو لم يهذب نفسه يوماً.

المشكلة ليست في المهنة، فكل عمل شريف محترم، بل في تحويل الجهل إلى مشروع إعلامي، والانحدار إلى علامة تجارية. حين يصبح قاموس الشارع مرجعاً، والسوقية أسلوباً، والانحطاط وسيلة للانتشار، فهنا لا نتحدث عن حرية تعبير، بل عن أزمة ذوق عام.

عصابات رقمية بدل المجتمعات المدنية

الأخطر من التفاهة ذاتها، هو تحول بعض الحسابات إلى ما يشبه العصابات الرقمية. مجموعة من الأتباع، مهمتهم الوحيدة التشهير، السب، القذف، ترهيب المخالفين، وافتعال المعارك الوهمية. قائدهم يصرخ، وهم يصفقون. يسب، وهم يعيدون النشر. يتهم، وهم يتحولون إلى لجان إلكترونية جاهزة للهجوم.

لقد أصبح بعض هؤلاء يديرون منصاتهم كما تُدار الميليشيات الصغيرة: توزيع أدوار، تحريض، حملات منظمة، واستهداف كل من يختلف معهم. الفرق الوحيد أن السلاح هنا ليس الرصاص، بل الكذب، والإهانة، والافتراء.

خوارزميات تكافئ الرداءة

المنصة نفسها ليست بريئة بالكامل. فخوارزميات المشاهدة لا تسأل إن كان المحتوى نافعاً أو ساماً، محترماً أو منحطاً. هي تسأل سؤالاً واحداً: هل أثار تفاعلاً؟ ولذلك فإن صاحب العقل الهادئ يخسر غالباً أمام صاحب الفم المنفلت. والإنسان المتزن يختفي أمام المهرج الذي يرقص فوق أنقاض الذوق العام.

هكذا يصبح التافه قدوة، لا لأنه يستحق، بل لأنه يتقن لعبة المنصة. ويصبح البئيس عظيماً، لا لأنه أنجز شيئاً، بل لأنه عرف كيف يحول انحداره إلى عرض يومي.

التأثير على الشباب

الضحايا الحقيقيون هم الشباب الذين يدخلون هذه المنصات بحثاً عن الترفيه أو الإلهام، فيجدون نماذج مزيفة للنجاح. يرون شخصاً يصرخ ويشتم ويهدد، ثم يحصد المال والمتابعة، فيظنون أن الطريق إلى الصعود لا يمر عبر المدرسة ولا الجامعة ولا العمل، بل عبر الفوضى والابتذال.

وهنا تكمن الكارثة الثقافية: حين تُستبدل القدوة بالمهرج، والعالم بالمشاغب، وصاحب الإنجاز بصاحب الفضائح.

تيك توك ليس المشكلة، بل من استعمله ليجعل من التفاهة مشروعاً، ومن الإساءة تجارة، ومن الجهل بطولة. المنصات مجرد أدوات، لكن حين تقع في يد من لا يملك إلا الضجيج، تتحول إلى مسارح للفوضى.

إن المجتمعات لا تنهار فقط بالحروب والأزمات الاقتصادية، بل تنهار أيضاً حين تصفق للرداءة، وتمنح المنابر لمن لا يملكون سوى الشتيمة. وعندما يصبح التافه معلماً، والبئيس نجماً، فاعلم أن الأزمة لم تعد رقمية… بل حضارية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com