حين يتحوّل الفشل إلى برنامج انتخابي: من بنكيران إلى أخنوش… ومن ذاكرة المغاربة إلى مطلب التغيير

بوشعيب البازي

في السياسة المغربية، لا تموت الوجوه بسهولة. هي فقط تغيّر نبرة الصوت، وتعيد تدوير الشعارات، وتعود كلما اقتربت صناديق الاقتراع بثقة تُثير الإعجاب… أو الحيرة. وربما لا يوجد مثال أكثر وضوحاً من عبد الإله بنكيران، الرجل الذي يرفض أن يغادر المسرح السياسي، وكأن السنوات التي قضاها على رأس الحكومة لم تكن تجربة للحكم، بل مجرد بروفة لموسم جديد.

بنكيران، الذي قاد الحكومة المغربية بين 2011 و2017 قبل أن يتم إنهاء تكليفه بعد تعثر تشكيل الأغلبية الحكومية سنة 2017، عاد اليوم بخطاب يعرفه المغاربة جيداً: لغة شعبوية، نكات مدروسة، خصومات محسوبة، وإيحاء دائم بأنه الرجل الوحيد القادر على “إنقاذ البلاد”، رغم أن ذاكرة الشارع لا تزال تحتفظ بقرارات حكومته التي أثارت احتجاجات اجتماعية ونقابية واسعة، خصوصاً ما يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد، وتجميد الحوار الاجتماعي في محطات مفصلية، إضافة إلى قرارات مرتبطة بالدعم والأسعار اعتبرتها فئات واسعة حمّلت الطبقة المتوسطة والضعيفة كلفة “الإصلاح”.  

المفارقة أن الرجل الذي يقدم نفسه اليوم في صورة “المدافع عن الشعب” هو نفسه الذي ارتبطت سنوات حكمه بخطاب يطالب المغاربة بالصبر والتضحية، بينما كانت مؤشرات البطالة والاحتقان الاجتماعي ترتفع في أكثر من قطاع. والأسوأ سياسياً، أن بنكيران الذي يحاول اليوم استعادة لغة “الممانعة” وجد حزبه نفسه في قلب واحدة من أكثر التحولات إثارة للجدل في تاريخ الحزب: قبول قيادات من حزب العدالة والتنمية بواقع التطبيع المغربي الإسرائيلي سنة 2020 داخل التجربة الحكومية التي قادها الحزب حتى 2021، وهو ما فتح جرحاً سياسياً وأخلاقياً داخل قواعد الحزب نفسها، رغم محاولات لاحقة من بنكيران للتمايز عن ذلك المسار في تصريحاته اللاحقة.  

هنا تبدأ أزمة المصداقية.

كيف يمكن لزعيم سياسي أن يهاجم اليوم ما صمت عنه بالأمس؟ وكيف يمكن لحزب قدم نفسه لعقد كامل باعتباره حامل “المشروع الأخلاقي” أن يجد نفسه مطالباً بشرح تناقضاته أكثر من شرح مشروعه؟

لكن إن كان بنكيران يمثل ذاكرة سياسية مثقلة بالجدل، فإن الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش لم تنجح بدورها في تقديم البديل الذي وعدت به المغاربة. منذ وصولها إلى رئاسة الحكومة سنة 2021، دخلت حكومة “الكفاءات” في اختبار اجتماعي صعب: ارتفاع الأسعار، احتقان مهني في قطاعات التعليم والصحة، شكاوى متكررة من تراجع القدرة الشرائية، وشعور متنامٍ لدى جزء من الرأي العام بأن لغة الأرقام لم تتحول بعد إلى أثر ملموس في حياة المواطن اليومية. عزيز أخنوش يقود الحكومة منذ أكتوبر 2021 بصفته رئيساً للحكومة وفق المؤسسات الرسمية المغربية، لكن حصيلة ولايته لا تزال موضوع نقاش سياسي واجتماعي محتدم.  

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: المغرب اليوم لا يعيش فقط أزمة برامج، بل أزمة ثقة.

بين زعيم سابق يريد إقناع المغاربة بأن الفشل يمكن إعادة تسويقه إذا أُضيفت إليه جرعة جديدة من الخطابة، ورئيس حكومة حالي يواجه انتقادات بسبب بطء الأثر الاجتماعي للإصلاحات، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل:

هل السياسة المغربية محكومة بإعادة تدوير نفس الأسماء، أم أن الوقت قد حان فعلاً لولادة جيل جديد؟

المغاربة لا يبحثون اليوم عن زعيم يضحكهم في التجمعات، ولا عن رجل أعمال يَعِدهم بالأرقام في المؤتمرات. ما يطلبه الشارع أصبح أكثر وضوحاً: وجوه نظيفة، كفاءات صامتة تعمل أكثر مما تتكلم، ومسؤولون يعتبرون السياسة خدمة وطنية لا مشروعاً شخصياً ممتداً بلا نهاية.

أما الوجوه التي يعرفها الجميع… فقد يكون أكبر إنجاز يمكن أن تقدمه للوطن اليوم، هو أن تعرف متى تنسحب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com