من العقيدة التقليدية إلى الردع الذكي: كيف يعيد المغرب هندسة قوته العسكرية في عالم متحوّل؟
حنان الفاتحي
في لحظة دولية تتسم بتآكل منظومات الأمن التقليدية، وتصاعد التنافس الجيوسياسي، وعودة مفهوم الردع إلى قلب العلاقات الدولية، يواصل المغرب تحت قيادة محمد السادس إعادة صياغة عقيدته الدفاعية وفق رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، لا تقوم فقط على تحديث العتاد العسكري، بل على إعادة هندسة شاملة لمفهوم القوة الوطنية، بما يجعل المؤسسة العسكرية جزءا من منظومة السيادة الشاملة للدولة.
هذا التوجه تجدد بشكل واضح في الأمر اليومي الذي وجهه العاهل المغربي، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، إلى أفراد الجيش، يوم الخميس 14 ماي 2026، بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية؛ وهي رسالة لم تكن مجرد خطاب احتفالي، بقدر ما شكلت وثيقة توجيهية تحمل مضامين إستراتيجية تعكس التحول العميق الذي تعرفه المنظومة الدفاعية المغربية.
انتقال من الجيش الكلاسيكي إلى الجيش الشبكي
في قراءة جيوستراتيجية لمضمون الرسالة الملكية، يتضح أن المغرب لم يعد ينظر إلى الأمن العسكري بمنظور القرن العشرين، حيث كانت القوة تقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أصبح يتبنى مفهوما أكثر تطورا يقوم على ما يسمى في الدراسات الإستراتيجية بـ”الجيش الشبكي”، حيث تتكامل القوة البشرية مع الذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة الرقمية، والأمن السيبراني، والاستشعار عن بعد، وتحليل البيانات الضخمة.
هذا التحول ليس خيارا تقنيا فحسب، بل ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات الجديدة، التي لم تعد مرتبطة فقط بالحروب التقليدية، وإنما تشمل الحروب الهجينة، والهجمات السيبرانية، والتلاعب بالمعلومات، واستهداف البنيات التحتية الحيوية، فضلا عن تنامي الفاعلين غير الدولتيين في محيط إقليمي شديد التعقيد.
وفي هذا السياق، يكتسب تشديد الملك على الاستثمار في البحث العلمي والرقمنة والذكاء الاصطناعي دلالة إستراتيجية عميقة، لأنه يؤشر على انتقال المؤسسة العسكرية المغربية من منطق التحديث المرحلي إلى منطق الابتكار المستدام.
العقيدة الدفاعية المغربية… مرونة في الشراكات وصلابة في القرار
يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد لكريني أن التوجه الدفاعي المغربي ينسجم مع التحولات الجيوسياسية العالمية، ويعكس قدرة المملكة على التكيف المستمر مع متغيرات البيئة الأمنية الدولية.
لكن ما يميز المقاربة المغربية ليس فقط التكيف، بل تنويع مصادر القوة. فالمغرب بات يعتمد على شبكة واسعة من الشراكات العسكرية متعددة الأبعاد، تشمل التعاون العملياتي، ونقل الخبرات، والتكوين، والتكنولوجيا، والتخطيط المشترك.
ويبرز تمرين الأسد الأفريقي كأحد أبرز تجليات هذا التموقع، حيث تحول من مناورة عسكرية دورية إلى منصة إستراتيجية تعكس مكانة المملكة كشريك أمني موثوق في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والفضاء الأطلسي.
هذا التموقع لا يمنح المغرب فقط قابلية الوصول إلى أحدث العقائد القتالية، بل يعزز أيضا مكانته ضمن هندسة الأمن الإقليمي، خصوصا في ظل هشاشة البيئة الأمنية الممتدة من الساحل إلى المتوسط.
من الاستيراد إلى السيادة الصناعية
إذا كانت الشراكات الدولية تمثل بعدا أساسيا في العقيدة الدفاعية المغربية، فإن الرهان الأكثر عمقا يكمن في بناء استقلالية صناعية في مجال الدفاع.
فالتحولات التي عرفها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، خاصة اضطرابات سلاسل الإمداد، والحروب الكبرى، وعودة سياسات الحمائية العسكرية، أكدت أن الأمن الوطني لم يعد مرتبطا فقط بامتلاك السلاح، بل بامتلاك القدرة على إنتاجه وصيانته وتطويره.
وفي هذا الإطار، يكشف الرفع التدريجي للاعتمادات المالية المخصصة للدفاع—والتي بلغت 157 مليار درهم برسم السنة المالية 2027—عن إرادة سياسية واضحة لتحويل الصناعة الدفاعية إلى رافعة سيادية واقتصادية في آن واحد.
ويرى خبراء الأمن الإستراتيجي أن هذه الدينامية لا تستهدف فقط تعزيز الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة، بل تهدف أيضا إلى خلق منظومة وطنية للبحث والتطوير، قادرة على استيعاب التكنولوجيا المتقدمة، وخلق نسيج صناعي عالي القيمة المضافة.
الأباتشي… أكثر من صفقة تسليح
ضمن هذا المسار، يندرج تسلم المغرب للدفعة الثانية من المروحيات القتالية من طراز AH-64E Apache، وهي خطوة تتجاوز بعدها العملياتي المباشر.
فامتلاك هذا النوع من المنصات القتالية المتطورة يبعث برسائل ردع واضحة، ويؤكد أن المملكة لم تعد تكتفي بالحفاظ على التوازن العسكري، بل تعمل على امتلاك تفوق نوعي في بيئة إقليمية تعرف سباقا متسارعا نحو التسلح.
وفي المفهوم الجيوسياسي، فإن الردع الحديث لا يقوم على الاستخدام الفعلي للقوة، بقدر ما يقوم على إقناع الخصم بأن تكلفة المغامرة ستكون مرتفعة.
الإنسان… جوهر القوة الصلبة
رغم التركيز على التكنولوجيا والعتاد، حرصت الرسالة الملكية على التأكيد أن العنصر البشري يظل حجر الزاوية في أي منظومة دفاعية فعالة.
ومن هنا يأتي الاهتمام المتزايد ببرامج التأهيل والتكوين والخدمة العسكرية، التي تحولت تدريجيا من آلية تعبئة تقليدية إلى مدرسة وطنية لإنتاج الكفاءات والانضباط وتعزيز روح المواطنة.
إن الإقبال النوعي الذي تعرفه الخدمة العسكرية في المغرب يعكس نجاح هذا التصور، خصوصا مع ما توفره من تكوين مهني، وتأهيل بدني، وإدماج اجتماعي، وهي عناصر تجعل المؤسسة العسكرية تلعب دورا يتجاوز الدفاع نحو المساهمة في بناء الرأسمال البشري الوطني.
المغرب… من مستهلك للأمن إلى منتج للاستقرار
في المحصلة، لا يبدو أن المغرب يكتفي اليوم بحماية حدوده أو تحديث جيشه وفق المعايير التقليدية، بل يعمل على إعادة تعريف موقعه داخل معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
فمن خلال الجمع بين التحديث التكنولوجي، وتنويع التحالفات، وبناء قاعدة صناعية دفاعية، وتأهيل العنصر البشري، ترسم المملكة ملامح نموذج دفاعي جديد يقوم على مفهوم “السيادة الذكية”.
وفي عالم يعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة والتكنولوجيا والقدرة على الصمود، يبدو أن المغرب لا يتهيأ فقط لمواجهة تهديدات المستقبل… بل يسعى لأن يكون أحد صناع توازناته.