تسريبات الحجاوي–جيراندو.. كيف أعادت التسجيلات الصوتية النقاش حول مصداقية صناعة الأخبار الموجهة ضد المغرب؟

مجدي فاطمة الزهراء

أعادت التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى مهدي الحجاوي وهشام جيراندو، والتي نُشرت أخيراً من قبل مجموعة تطلق على نفسها اسم “Atlas Hacks”، فتح نقاش واسع حول آليات إنتاج المحتوى الرقمي الذي يستهدف المغرب، وحول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والترويج لروايات غير موثقة تتحول، بفعل التكرار والتضخيم، إلى مادة إعلامية تتداولها منصات مختلفة دون تمحيص كاف.

فالقضية لم تعد تتعلق بشخصين يقدمان نفسيهما باعتبارهما مصدرين للمعلومات، بل أصبحت تطرح أسئلة أعمق حول كيفية صناعة السرديات الإعلامية في الفضاء الرقمي، ومدى اعتماد بعض المنابر على روايات فردية تفتقر إلى الأدلة المادية أو الوثائق الرسمية، قبل أن تُقدم للرأي العام باعتبارها معطيات ذات مصداقية.

التسريبات واختبار المصداقية

وفقاً للمحتوى المتداول، تتضمن التسجيلات حوارات نُسبت إلى مهدي الحجاوي، الذي سبق أن قدم نفسه في مناسبات إعلامية باعتباره مسؤولاً سابقاً داخل أجهزة الاستخبارات المغربية، بينما يظهر هشام جيراندو في التسجيلات محاوراً يعتمد على تلك الروايات في بناء محتوى إعلامي موجه لجمهوره.

وتشير التسجيلات، إذا ثبتت صحتها، إلى سلسلة من التصريحات التي تتضمن روايات مثيرة بشأن أدوار أمنية وعمليات سرية وشخصيات عمومية. غير أن اللافت في مضمونها هو أن العديد من هذه الأقوال تبدو أقرب إلى السرد الشخصي منها إلى الوقائع المدعومة بأدلة قابلة للتحقق، وهو ما يفرض التعامل معها بمنهجية نقدية تميز بين الادعاء والحقيقة القضائية أو التاريخية.

وفي العمل الصحفي الاحترافي، لا تكتسب مثل هذه التصريحات قيمتها الخبرية بمجرد صدورها، بل تخضع لمعيار التحقق المستقل، ومقارنتها بالوثائق الرسمية والأحكام القضائية والقرائن الموضوعية قبل البناء عليها.

من صناعة “المصدر” إلى صناعة “الخبر”

تكشف هذه الواقعة عن ظاهرة آخذة في الاتساع داخل الإعلام الرقمي، تتمثل في تحول بعض الأفراد إلى “مصادر دائمة” لروايات تتناول قضايا أمنية أو سياسية شديدة الحساسية، دون أن تكون تلك الروايات مدعومة بأدلة يمكن إخضاعها للفحص المهني.

ومع مرور الوقت، يؤدي تكرار هذه السرديات عبر منصات التواصل الاجتماعي وقنوات البث الرقمي إلى خلق انطباع زائف بالمصداقية، رغم أن المصدر الوحيد للمعلومة يبقى الشخص نفسه أو دائرة ضيقة تدور في فلكه.

وهذه الآلية، المعروفة في دراسات الإعلام بتأثير “التكرار بوصفه بديلاً للتحقق”، تمثل أحد أبرز تحديات البيئة الرقمية الحديثة، حيث يمكن للمعلومة غير الموثقة أن تنتشر بسرعة تفوق بكثير سرعة التحقق منها أو تصحيحها.

الإعلام الرقمي بين الإثارة والمسؤولية

لقد فرضت المنصات الرقمية واقعاً إعلامياً جديداً، أصبح فيه تحقيق نسب المشاهدة والتفاعل عاملاً مؤثراً في طبيعة المحتوى المنشور. وفي هذا السياق، تميل بعض المنصات إلى تبني الخطابات المثيرة أو الاتهامات الصادمة باعتبارها أكثر قدرة على جذب الجمهور، حتى عندما تكون الأدلة المقدمة محدودة أو غير كافية.

غير أن أخلاقيات المهنة الصحفية تقتضي الفصل بين الخبر والرأي، وبين الادعاء والحقيقة، كما تفرض منح جميع الأطراف المعنية حق الرد واحترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي رواية تتضمن اتهامات جنائية أو مزاعم تتعلق بمؤسسات الدولة أو أشخاص بعينهم ينبغي أن تُقابل بأعلى درجات التدقيق، لأن تداولها دون تحقق قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام والإضرار بالأفراد والمؤسسات على حد سواء.

الحرب المعلوماتية في العصر الرقمي

تأتي هذه القضية أيضاً في سياق أوسع يتسم بتصاعد ما يعرف بالحروب المعلوماتية، حيث أصبحت المنصات الرقمية ساحة مفتوحة للتأثير في الرأي العام عبر إنتاج ونشر محتوى يستهدف الدول والمؤسسات والشخصيات العامة.

ولذلك لم يعد تقييم أي مادة إعلامية يقتصر على مضمونها، بل يشمل كذلك تحليل مصادرها، ومسارات انتشارها، والجهات التي تستفيد من إعادة تدويرها، فضلاً عن فحص الأدلة التي تستند إليها.

وفي حالة التسجيلات المتداولة، يبقى الفيصل هو قدرة التحقيقات والوثائق المستقلة على إثبات صحة ما ورد فيها أو نفيه، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات المتسرعة.

الحقيقة معيار الصحافة الجادة

تؤكد هذه الواقعة أن الصحافة المهنية لا تُبنى على الإثارة، بل على التحقق والتوازن واحترام قواعد النشر. كما أن مواجهة الأخبار المضللة لا تكون بخطاب مضاد يقوم على المبالغة، وإنما بإعمال أدوات التحقيق والتدقيق والاستناد إلى الأدلة القابلة للتحقق.

وفي عالم تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الحقائق بالادعاءات، تبقى المصداقية هي رأس مال المؤسسة الإعلامية، ويبقى احترام المنهج المهني الضمانة الأساسية للحفاظ على ثقة الجمهور، مهما بلغت حدة الاستقطاب أو تعاظمت المنافسة داخل الفضاء الرقمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com