أبناء مغاربة العالم… الرأسمال البشري الذي لم يستثمر فيه المغرب بعد

بوشعيب البازي

من سيحمل ذاكرة الوطن عندما يغيب الجيل الأول؟

لم يعد مستقبل الجالية المغربية المقيمة بالخارج يقاس فقط بحجم التحويلات المالية أو بعدد الوافدين خلال العطلة الصيفية، بل أصبح يرتبط بسؤال أكثر عمقاً: هل نجح المغرب في بناء علاقة مستدامة مع أبناء مغاربة العالم الذين ولدوا وترعرعوا خارج حدوده؟

هذا السؤال يفرض نفسه بإلحاح مع بروز الجيلين الثاني والثالث من المغاربة المقيمين بالخارج، وهما جيلان يختلفان جذرياً عن آبائهما وأجدادهما. فإذا كان الجيل الأول يحمل المغرب في ذاكرته اليومية، ويتحدث لغاته، ويحتفظ بروابط اجتماعية وعائلية قوية معه، فإن أبناءه ولدوا داخل منظومات ثقافية وتعليمية مختلفة، وتشكل وعيهم الوطني في بلدان الإقامة أكثر مما تشكل داخل الوطن الأم.

ارتباط عاطفي موروث… لكنه ليس دائماً

كل صيف، تستقبل المدن المغربية مئات الآلاف من أبناء الجالية الذين يرافقون آباءهم في رحلاتهم السنوية. بالنسبة إلى الآباء، تمثل هذه الزيارة عودة إلى الجذور، ولقاء بالأهل، واستعادة للذاكرة الجماعية. أما بالنسبة إلى كثير من الأطفال، فهي في الغالب عطلة عائلية تنتهي بانتهاء الإجازة.

ومع مرور السنوات، يطرح هذا الواقع سؤالاً استراتيجياً: ماذا سيحدث عندما يغيب الجيل الأول الذي كان يشكل الجسر الطبيعي بين هؤلاء الأبناء والمغرب؟

هل سيستمر الأبناء في زيارة بلد لم يعيشوا فيه يوماً؟ وهل ستظل الروابط العاطفية قائمة في غياب الرابط الإنساني الذي مثله الآباء؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، لكن تجارب العديد من الجاليات عبر العالم تشير إلى أن الروابط مع بلد الأصل قد تضعف تدريجياً إذا لم تُدعَّم بسياسات ثقافية وتربوية ومؤسساتية طويلة المدى.

الرهان الحقيقي ليس التحويلات… بل الإنسان

تركز السياسات العمومية، في كثير من الأحيان، على مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار وتحويل العملات الصعبة، وهي مساهمة لا خلاف حول أهميتها للاقتصاد الوطني.

غير أن الاستثمار الأكثر استدامة قد يكون في الإنسان نفسه، أي في أبناء الجالية الذين سيصبحون خلال العقدين المقبلين صناع القرار في أسرهم، وورثة ممتلكاتها، وحملة ذاكرتها.

فالكثير من الأسر المغربية المقيمة بالخارج تمتلك عقارات أو أراضي أو مشاريع داخل المملكة، غير أن مستقبل هذه الأصول سيظل مرتبطاً بمدى شعور الأبناء بأن المغرب جزء من هويتهم الشخصية، وليس مجرد بلد كان ينتمي إليه آباؤهم.

إن ضعف هذا الارتباط قد يدفع بعض الورثة، بحسب اختياراتهم الشخصية وظروفهم الأسرية، إلى إعادة تقييم تلك الممتلكات، سواء بالحفاظ عليها أو استثمارها أو بيعها. ولذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بالعقار، بل باستمرار العلاقة الاقتصادية والإنسانية بين الأجيال الجديدة ووطنها الأصلي.

أين تبدأ المسؤولية؟

لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية نقل الهوية الوطنية للأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل تحديات الاندماج داخل مجتمعات الإقامة، وضغط المدرسة والإعلام والفضاء الرقمي.

ومن هنا يبرز الدور المنتظر للمؤسسات المغربية.

فالقنصليات والسفارات ليست مجرد مصالح إدارية لإصدار الوثائق، بل يمكن أن تتحول إلى فضاءات للدبلوماسية الثقافية، من خلال برامج منتظمة تستهدف الأطفال واليافعين، وتُعرّفهم بتاريخ المغرب، وتنوعه الثقافي، ومؤسساته، وفرصه العلمية والاقتصادية.

كما أن جمعيات المجتمع المدني، سواء داخل المغرب أو في بلدان المهجر، مدعوة إلى تجاوز الأنشطة الاحتفالية الموسمية نحو مشاريع مستدامة لبناء جسور حقيقية بين أبناء الجالية ووطنهم الأم.

من السياحة إلى المواطنة

أثبتت تجارب دول عديدة أن الحفاظ على ارتباط أبناء الجاليات لا يتحقق عبر الزيارات العائلية وحدها، وإنما من خلال برامج مؤسساتية تشمل المخيمات الصيفية، والتبادل الثقافي، وتعليم اللغات الوطنية، وزيارات الجامعات، وبرامج ريادة الأعمال، والتكوين المهني، والتطوع داخل الوطن.

فالطفل الذي يعيش تجربة شخصية داخل المغرب، ويكوّن صداقات، ويتعرف على تاريخه، ويشارك في مشاريع شبابية، سيكون أكثر قابلية للحفاظ على علاقة طويلة الأمد مع البلد مقارنة بمن لا يعرفه إلا من نافذة العطلة الصيفية.

الهوية… استثمار استراتيجي

في عالم يتزايد فيه التنافس على استقطاب الكفاءات ورؤوس الأموال، لم تعد الجاليات مجرد امتداد ديموغرافي للدول، بل أصبحت رصيداً استراتيجياً في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والبحث العلمي والثقافة.

وإذا كان المغرب قد نجح في بناء علاقة متينة مع الجيل الأول من المهاجرين، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في كسب ثقة واهتمام الأجيال الجديدة، التي لا تربطها بالمغرب ذكريات الهجرة ولا معاناة الغربة، بل تحتاج إلى أسباب جديدة تجعلها تعتبره جزءاً من مستقبلها، لا مجرد فصل من ماضي عائلاتها.

إن الاستثمار في أبناء مغاربة العالم ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل هو خيار استراتيجي طويل الأمد، لأن الحفاظ على ارتباطهم بالمغرب يعني الحفاظ على شبكة عالمية من الكفاءات والاستثمارات والعلاقات الإنسانية. أما ترك هذا الارتباط يتآكل بفعل الزمن، فقد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الحضور الاقتصادي والثقافي للمغرب داخل واحدة من أكبر جالياته عبر العالم.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشكل محور السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة: هل يكتفي المغرب بخدمة مغاربة العالم، أم أنه مستعد للاستثمار في أبنائهم، باعتبارهم الشركاء الحقيقيين في مستقبل العلاقة بين الوطن وجاليته عبر الأجيال؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com