عملية «مرحبا 2026» تنجح تنظيمياً… لكن أرقام العائدين تفتح نقاشاً أعمق حول علاقة مغاربة العالم ببلدهم

بوشعيب البازي

Screenshot

تواصل عملية «مرحبا 2026» تأكيد مكانتها باعتبارها واحدة من أكبر العمليات اللوجستية والإنسانية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بفضل التعبئة المشتركة التي تقودها مختلف المؤسسات المغربية، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لضمان استقبال أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج في أفضل الظروف.

فبين موانئ المغرب وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، تعمل أجهزة الأمن والجمارك والسلطات المينائية، إلى جانب مؤسسة محمد الخامس للتضامن، على توفير خدمات الاستقبال والإرشاد والمواكبة الاجتماعية والصحية، فيما يواكب الجانب الإسباني بدوره العملية عبر استثمارات لوجستية مهمة وتنسيق مؤسساتي متواصل لضمان انسيابية حركة العبور بين ضفتي مضيق جبل طارق.

ووفق المعطيات الرسمية، بلغ عدد الوافدين إلى المغرب، إلى غاية 20 يوليوز 2026، ما مجموعه 1.862.609 شخصاً، بزيادة طفيفة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، توزعوا بين 938.641 وافداً عبر المطارات و923.968 عبر الموانئ. كما استفاد أكثر من 21 ألف شخص من خدمات المواكبة الاجتماعية والإدارية والصحية التي وفرتها مؤسسة محمد الخامس للتضامن.

هذه الأرقام تعكس نجاحاً تنظيمياً واضحاً، وتؤكد الخبرة التي راكمتها المؤسسات المغربية والإسبانية في تدبير واحدة من أعقد عمليات العبور الموسمية في العالم. غير أن القراءة الاقتصادية والاجتماعية لهذه المعطيات لا ينبغي أن تتوقف عند الجانب التنظيمي فقط، بل تستدعي التوقف عند سؤال أكثر عمقاً يتعلق بحجم المشاركة الفعلية لمغاربة العالم في هذه العملية.

فوفق التقديرات الرسمية، يناهز عدد المغاربة المقيمين بالخارج سبعة ملايين شخص موزعين على مختلف القارات، بينما لم يتجاوز عدد الوافدين إلى حدود نهاية شهر يوليوز حوالي 1.8 مليون شخص، وهو ما يعني أن شريحة واسعة من الجالية لم تلتحق بالمغرب خلال هذه المرحلة من الموسم الصيفي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن بقية أفراد الجالية قرروا مقاطعة بلدهم أو التخلي عن زيارة أسرهم، غير أن الفارق العددي الكبير يطرح مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستحق الدراسة بعيداً عن الأحكام المسبقة والانطباعات السريعة.

فهل أصبح جزء متزايد من مغاربة العالم يفضل قضاء عطلته الصيفية في بلدان أوروبية أو متوسطية أخرى؟ وهل تغيرت أنماط السفر لدى الأجيال الجديدة من أبناء الجالية الذين ولدوا ونشأوا خارج المغرب؟ وإلى أي حد تؤثر الاعتبارات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف السفر، وأسعار الإقامة، والقدرة الشرائية، في اتخاذ قرار السفر إلى المغرب؟

كما يفرض الواقع سؤالاً آخر يتعلق بتغير الثقافة السياحية لدى الجيلين الثاني والثالث من المغاربة المقيمين بالخارج، الذين أصبحوا ينظرون إلى العطلة باعتبارها فرصة لاكتشاف وجهات جديدة، وليس فقط مناسبة لزيارة العائلة، وهو تحول اجتماعي تشهده معظم الجاليات المهاجرة في العالم.

وكانت تقارير وتحليلات سابقة قد أشارت إلى أن جزءاً من مغاربة العالم بات يختار قضاء عطلته في إسبانيا، والبرتغال، وجنوب فرنسا، ووجهات متوسطية أخرى، بالنظر إلى ما توفره من عروض سياحية تنافسية، وشواطئ مجهزة، وأسعار إقامة يمكن التنبؤ بها، إضافة إلى سهولة التنقل داخل فضاء شنغن بالنسبة للمقيمين في أوروبا.

وفي المقابل، يظل المغرب يحافظ على مكانته باعتباره الوجهة الأولى بالنسبة لملايين المغاربة الذين يعتبرون العودة إلى أرض الوطن ارتباطاً عائلياً وإنسانياً قبل أن تكون رحلة سياحية. غير أن الحفاظ على هذه المكانة يقتضي مواكبة التحولات التي تعرفها الجالية المغربية، خاصة مع تنامي أعداد الشباب المزدادين في الخارج، وتغير أولوياتهم وأنماط استهلاكهم السياحي.

ومن هنا، فإن تقييم عملية «مرحبا» لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات النجاح اللوجستي أو سرعة العبور وجودة الخدمات، بل ينبغي أن يمتد إلى دراسة الأسباب التي تجعل ملايين المغاربة المقيمين بالخارج لا يختارون المغرب كل سنة كوجهة رئيسية لعطلتهم الصيفية، أو يقلصون مدة إقامتهم مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات.

إن نجاح عملية العبور يمثل مكسباً وطنياً لا خلاف حوله، غير أن نجاح السياسة الموجهة إلى مغاربة العالم يقاس أيضاً بقدرة المغرب على تعزيز جاذبيته الاقتصادية والسياحية والاجتماعية، وجعل العودة إلى الوطن خياراً دائماً ومفضلاً لدى مختلف أجيال الجالية، وليس فقط استجابة لواجب عائلي أو مناسبة موسمية.

وبين الأرقام الرسمية لعملية «مرحبا 2026» والواقع الديموغرافي للجالية المغربية بالخارج، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الباحثين وصناع القرار: كيف يمكن تحويل سبعة ملايين مغربي عبر العالم إلى قوة ارتباط مستدامة بالمغرب، وليس فقط إلى أرقام تعبر المضيق خلال أسابيع الصيف؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com