لماذا يختار المغاربة وإفراد الجالية المغربية إسبانيا لقضاء العطلة الصيفية؟ أسئلة اقتصادية وسياحية تستحق البحث
بوشعيب البازي
مع حلول كل موسم صيفي، تتحول مدن جنوب إسبانيا، وعلى رأسها مالاغا وماربيا وفوينخيرولا، إلى فضاء يجمع عشرات الآلاف من المغاربة، سواء القادمين من داخل المملكة أو أفراد الجالية المغربية المقيمة بأوروبا. ويكفي القيام بجولة قصيرة في الشوارع التجارية الكبرى أو مراكز التسوق حتى يلفت الانتباه الحضور الكثيف للزبائن المغاربة، الذين يتحدثون باللهجة المغربية ويقبلون على اقتناء الملابس والمنتجات ذات العلامات التجارية العالمية. هذا المشهد لم يعد مجرد ظاهرة سياحية عابرة، بل أصبح مؤشراً اقتصادياً واجتماعياً يستحق الدراسة، لأنه يطرح سؤالاً محورياً: لماذا تُضَخ هذه النفقات الاستهلاكية خارج المغرب بدل أن تستفيد منها السوق الوطنية؟
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن اختزال الظاهرة في عامل واحد. فإسبانيا، وخاصة منطقة كوستا ديل سول، توفر منظومة تجارية متكاملة تضم أشهر العلامات العالمية، إلى جانب مراكز تجارية ضخمة ومتاجر “Outlet” التي تعرض منتجات أصلية بأسعار تنافسية، فضلاً عن فترات التخفيضات الصيفية المنظمة. كما أن بعض المدن السياحية تتمتع بقوانين تسمح بمرونة أكبر في أوقات فتح المحلات خلال الموسم السياحي، وهو ما يعزز جاذبية التسوق بالنسبة للزوار.

وتؤكد تقارير إعلامية أن مالاغا وماربيا أصبحتا خلال السنوات الأخيرة وجهتين مفضلتين للسياحة الاستهلاكية المغربية، حيث تشهد مراكز التسوق حضورا متزايدا للمتسوقين القادمين من المغرب.
غير أن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بالمغرب نفسه: لماذا لا تتوفر شبكة مماثلة من المراكز التجارية التي تضم أكبر العلامات العالمية بأسعار قريبة من الأسعار الأوروبية؟ فكل يورو ينفقه السائح المغربي أو أحد أفراد الجالية في الخارج يمثل قيمة مضافة كان من الممكن أن تستفيد منها الخزينة المغربية والاقتصاد الوطني لو وُجد عرض تجاري منافس. إن استقطاب العلامات الدولية، وتشجيع الاستثمار في مراكز التسوق الكبرى، وتطوير منظومة التخفيضات الموسمية والشفافية في التسعير، كلها عناصر من شأنها الحد من نزيف الإنفاق نحو الخارج.

ولا يقتصر الأمر على التسوق فقط، بل يمتد إلى التجربة السياحية برمتها. فجزء من المغاربة يفضلون قضاء عطلتهم في إسبانيا بسبب جودة الخدمات، ونظافة الفضاءات العامة، وسهولة الولوج إلى الشواطئ، وتوفر مواقف السيارات، واحترام القوانين، وتنظيم الأنشطة السياحية، إضافة إلى الشعور بإمكانية التنقل بحرية داخل الفضاءات العامة دون عراقيل أو فوضى. وفي المقابل، يطرح عدد من المتابعين تساؤلات حول مدى تأثير ارتفاع تكاليف بعض الخدمات السياحية والإيواء داخل المغرب، وتفاوت الأسعار بين المناطق، وغياب توحيد بعض الخدمات، على اختيارات الأسر المغربية، وهي قضايا تحتاج إلى دراسات ميدانية وإحصاءات دقيقة بدل الاكتفاء بالانطباعات.
كما أن الجالية المغربية المقيمة بأوروبا تنظر إلى العطلة بمنطق مختلف؛ فهي تبحث عن وجهة تجمع بين الراحة، والتسوق، وجودة الخدمات، وسهولة التنقل، مع الحفاظ على ميزانية معقولة. وبالنسبة للكثيرين، توفر مدن مثل مالاغا وفوينخيرولا وماربيا هذا التوازن، خاصة مع قربها الجغرافي من المغرب وارتباطها بخطوط بحرية وجوية منتظمة. وليس من قبيل الصدفة أن تتحول هذه المدن خلال الصيف إلى فضاءات يلتقي فيها المغاربة من مختلف أنحاء أوروبا، حتى باتت اللهجة المغربية حاضرة بقوة داخل المحلات التجارية والمطاعم والشوارع.
ومع ذلك، ينبغي تجنب المقارنات المبسطة بين المغرب وإسبانيا، لأن لكل بلد خصوصياته الاقتصادية والاجتماعية. كما أن بعض المدن الإسبانية تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالاكتظاظ السياحي وارتفاع أسعار السكن والضغوط على البنية التحتية.
غير أن ذلك لا يمنع من الاستفادة من التجربة الإسبانية في مجالات تنظيم الفضاءات السياحية، وتشجيع الاستثمار التجاري، وتحسين جودة الخدمات، بما يجعل المغرب أكثر قدرة على استقطاب إنفاق مواطنيه وأفراد جاليته.
إن الظاهرة في جوهرها ليست مجرد اختيار لوجهة سياحية، بل هي رسالة اقتصادية وسلوكية ينبغي قراءتها بعين الباحث لا بعين المتفرج. فحين يفضل جزء من المغاربة إنفاق آلاف اليوروهات في الأسواق الإسبانية، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: لماذا يذهبون إلى إسبانيا؟ بل كيف يمكن للمغرب أن يخلق البيئة التجارية والسياحية التي تجعلهم يفضلون إنفاق تلك الأموال داخل وطنهم؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب دراسات علمية، واستطلاعات للرأي، وحواراً بين الفاعلين الاقتصاديين والسياحيين، لأن المنافسة في قطاع السياحة لم تعد تقوم على جمال الطبيعة وحده، بل على جودة التجربة التي يعيشها الزائر منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.