لغة الخطاب الديني في المهجر… حين تصبح الترجمة حاجزًا بين الإمام والجالية
بقلم: بوشعيب البازي
لم يعد النقاش حول تأطير الجالية المغربية المقيمة بالخارج يقتصر على عدد الأئمة والوعاظ الذين يتم إيفادهم خلال شهر رمضان، ولا على جودة تكوينهم الشرعي، بل أصبح يرتبط، بدرجة لا تقل أهمية، بمدى قدرتهم على التواصل اللغوي والثقافي مع جمهور تغيرت ملامحه عبر الأجيال.
لقد شهدت أوروبا، على امتداد العقود الأخيرة، ميلاد أجيال جديدة من أبناء الجالية المغربية، وُلدت وترعرعت في بلدان الإقامة، وتلقت تعليمها بلغاتها الوطنية، كالفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية، بينما أصبحت العربية، بالنسبة إلى شريحة واسعة منهم، لغة تراث وهوية أكثر منها لغة تواصل يومي. ومن ثم، فإن استمرار الاعتماد على خطب ووعظ باللغة العربية وحدها يثير تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة الرسالة الدينية في تحقيق أهدافها التربوية والإرشادية.
إن وظيفة الإمام أو الواعظ لا تنحصر في إلقاء النصوص أو تقديم الدروس، وإنما تتمثل أساسًا في إيصال المعنى، وبناء جسور الفهم، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها واقع المسلمين في المجتمعات الأوروبية. وعندما تكون اللغة عائقًا أمام الفهم، فإن الرسالة الدينية تفقد جزءًا كبيرًا من أثرها، مهما بلغت قيمتها العلمية أو قوة مضامينها.
وفي عدد من المساجد الأوروبية، يلاحظ أن بعض المصلين، وخاصة الشباب، يحضرون بداية الخطبة أو الدرس، ثم يغادرون بعد دقائق قليلة، ليس بالضرورة بسبب ضعف اهتمامهم بالدين، وإنما لأنهم لا يفهمون اللغة التي يُخاطبون بها. وفي المقابل، تُخصص فترات إضافية لترجمة الخطبة أو الدرس إلى الفرنسية أو غيرها من لغات بلدان الإقامة، وهو حل عملي في بعض الحالات، لكنه لا يعوض التواصل المباشر بين الإمام والجمهور، ولا يحقق التفاعل المطلوب.
إن الخطبة ليست محاضرة جامدة، بل هي خطاب حي يقوم على الإقناع والتأثير واستحضار الواقع الاجتماعي والثقافي للمستمعين. وهذه العناصر لا تتحقق بالكامل عبر وسيط لغوي، لأن الترجمة، مهما بلغت دقتها، لا تنقل دائمًا الإيقاع البلاغي، ولا الحمولة الثقافية، ولا القدرة على التفاعل اللحظي مع الحضور.
ومن هنا، يبدو من المشروع إعادة النظر في معايير اختيار الأئمة والوعاظ الذين يتم إيفادهم إلى أوروبا خلال شهر رمضان. فإلى جانب الكفاءة العلمية وحسن الأداء الشرعي، ينبغي أن تصبح الكفاءة اللغوية عنصرًا أساسيًا في عملية الاختيار، لأن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتخاطب، بل أصبحت شرطًا لنجاح عملية التأطير الديني نفسها.
وليس المقصود أن يتبع الناس الإمام باعتباره شخصًا، وإنما أن تصل إليهم الرسالة التي يحملها. فإذا كانت الغاية هي تعزيز الوسطية، وترسيخ قيم المواطنة، وحماية الشباب من الأفكار المتطرفة، فإن تحقيق هذه الأهداف يقتضي مخاطبة الناس باللغة التي يفكرون بها ويفهمونها.
إن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومعها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، تمتلكان تجربة طويلة في مواكبة الشأن الديني للجالية، غير أن التحولات الديموغرافية والثقافية التي عرفتها الهجرة المغربية تفرض اليوم مراجعة بعض آليات العمل. فبدل الاقتصار على إيفاد أئمة ووعاظ متمكنين من العلوم الشرعية فقط، أصبح من الضروري الاستثمار في تكوينهم اللغوي قبل ابتعاثهم، أو إعطاء الأولوية لمن يجمعون بين التأهيل الشرعي والإتقان الفعلي للغة بلد الإقامة.
كما يمكن تطوير برامج تكوين متخصصة تُعنى بفقه الأقليات المسلمة، والتواصل بين الثقافات، وخصوصيات المجتمعات الأوروبية، بما يجعل الإمام أكثر قدرة على فهم الإشكالات اليومية التي يعيشها أبناء الجالية، بدءًا من قضايا الهوية والانتماء، وصولًا إلى تحديات الأسرة والتربية والاندماج.
إن مستقبل التأطير الديني في المهجر لن يُقاس بعدد الخطب التي تُلقى، بل بعدد الرسائل التي تصل إلى العقول والقلوب. فاللغة ليست تفصيلًا ثانويًا، وإنما هي الجسر الذي تعبر من خلاله القيم والمعارف والأحكام. وكلما كان هذا الجسر أكثر صلابة، ازدادت قدرة المؤسسات الدينية على أداء رسالتها في خدمة الجالية المغربية والمحافظة على ارتباطها بهويتها الدينية والوطنية، في انسجام مع واقع المجتمعات التي تعيش فيها.
إن الاستثمار في الإمام القادر على الجمع بين المعرفة الشرعية والكفاءة اللغوية لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة الهجرة المغربية الجديدة، وتستوجب رؤية مستقبلية تجعل من فهم المخاطَب أولوية لا تقل أهمية عن جودة الخطاب نفسه.