مراكش تحت رحمة الفوضى: حين تتحول السياحة من رافعة للاقتصاد إلى امتحان يومي لثقة الزائر

بقلم: بوشعيب البازي

لم تعد أزمة السياحة في بعض المدن المغربية مرتبطة فقط بجودة الفنادق أو تنوع المنتوج السياحي أو القدرة على استقطاب الزائر الأجنبي. فالسائح، قبل أن يقيس جودة الفندق أو جاذبية المعلمة التاريخية، يقيس شيئاً أكثر بساطة وحساسية: هل يشعر بأنه محترم، وآمن، وغير مستغل؟

وفي مراكش، إحدى أبرز واجهات المغرب السياحية، تطرح ممارسات متداولة في بعض الفضاءات سؤالاً مقلقاً حول فعالية المراقبة وحماية المستهلك والسائح. فحين يُطلب من زائر، وفق شهادات متداولة، 20 درهماً مقابل قنينة ماء من حجم نصف لتر، وحين يتحول ركن السيارة إلى مناسبة يطالب فيها بعض حراس السيارات بمبالغ تصل إلى 100 درهم للسيارة، فإن الأمر لا يعود مجرد اختلاف في الأسعار أو حالات فردية معزولة، بل يصبح مؤشراً على اختلال أعمق في تدبير المجال السياحي.

السؤال هنا ليس: كم ثمن قنينة الماء؟

السؤال الحقيقي هو: من يراقب؟

مراكش لا تحتاج إلى مزيد من السياح بقدر ما تحتاج إلى حماية سمعتها

لقد بنت مراكش على مدى عقود صورة عالمية لمدينة تجمع بين التاريخ والثقافة والضيافة والأسواق والمنتجعات والفضاءات الترفيهية. هذه الصورة ليست ملكاً للفنادق وحدها ولا لوكالات الأسفار، وإنما هي رأسمال رمزي واقتصادي للمدينة وللمغرب بأكمله.

لكن هذا الرصيد يمكن أن يتآكل بسرعة عندما يخرج السائح من الفندق ليجد نفسه أمام سلسلة من الأسعار غير المفهومة، أو أمام أشخاص يفرضون عليه مبالغ مالية مقابل خدمات لا يعرف أساسها القانوني، أو عندما يشعر بأن غياب المراقبة يمنح البعض حرية تحديد السعر وفق جنسية الزبون أو مظهره أو قدرته المفترضة على الدفع.

السائح الذي يدفع ثمناً مبالغاً فيه مرة واحدة قد لا يشتكي.

لكن السائح الذي يشعر بأنه مستهدف بسبب كونه سائحاً قد يكتب تجربته، يصورها، وينشرها أمام آلاف أو ملايين الأشخاص.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

عندما يصبح حارس السيارات واجهة للمدينة

من أكثر الصور دلالة على الاختلال الذي يمكن أن يواجهه الزائر تلك المتعلقة بحراسة السيارات.

فإذا كان المواطن أو السائح مطالباً بدفع 100 درهم مقابل ركن سيارته في مكان عمومي أو شبه عمومي، فإن السؤال البديهي هو: ما هو الإطار الذي يحدد هذا المبلغ؟ ومن يراقب هذه الممارسة؟

لا يتعلق الأمر فقط بمبلغ مالي، وإنما بصورة الدولة والمدينة.

فالسائح لا يميز دائماً بين الحارس غير الرسمي والسلطات المحلية. بالنسبة إليه، الشخص الذي يقف في الشارع ويطلب منه المال هو جزء من المشهد العام للمدينة. وإذا تكرر الأمر في أكثر من مكان، فقد يخرج بانطباع مفاده أن هذه هي الطريقة التي تدار بها مراكش.

وهنا تصبح المسؤولية أكبر من مجرد مراقبة حارس سيارات.

إنها مسؤولية حماية صورة مدينة بأكملها.

قنينة ماء بـ20 درهماً: تفاصيل صغيرة تكشف مشكلة كبيرة

قد يبدو الحديث عن قنينة ماء أمراً هامشياً أمام حجم الاقتصاد السياحي. لكنه في الواقع أكثر أهمية مما يبدو.

فالسائح لا يحمل معه جداول الأسعار ولا النصوص التنظيمية. إنه يتعامل مع ما يراه أمامه. وعندما يجد منتجاً بسيطاً مثل الماء بسعر يبدو له غير متناسب بشكل صارخ مع السعر المعتاد، يبدأ في طرح أسئلة حول كل شيء آخر: المطعم، سيارة الأجرة، الموقف، المرشد، المتجر، وحتى الفندق.

السياحة تقوم قبل كل شيء على الثقة.

وحين تنهار الثقة، لا تنفع الحملات الدعائية ولا الصور الجميلة ولا المؤتمرات الدولية.

يمكن لمدينة أن تنفق ملايين الدراهم للترويج لنفسها، ثم تخسر زائراً واحداً بسبب تجربة سيئة. والأسوأ أن هذا الزائر يستطيع اليوم أن ينقل تجربته فوراً إلى العالم عبر الهاتف.

أين المراقبة؟

السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: أين أجهزة مراقبة الأسعار؟ وأين آليات حماية المستهلك؟ وأين المسؤولون عن القطاع السياحي عندما تتحول بعض الممارسات اليومية إلى مصدر للإساءة إلى سمعة المدينة؟

المطلوب ليس مطاردة التجار أو أصحاب الخدمات، ولا فرض أسعار موحدة على كل الأنشطة السياحية. المطلوب هو تطبيق القانون، وضمان شفافية الأسعار، وإجبار مقدمي الخدمات على الإعلان عنها بشكل واضح، والتدخل عندما تتحول الممارسة التجارية إلى استغلال أو ابتزاز أو تضليل.

فالمدينة السياحية الناجحة ليست تلك التي يكثر فيها عدد الزوار فقط، وإنما تلك التي يخرج منها الزائر وهو يريد العودة إليها.

الخطر الأكبر: أن تتحول مراكش في الوعي السياحي إلى “مدينة النصب”

لا يمكن إطلاق هذا الوصف على مدينة بأكملها بسبب ممارسات بعض الأفراد، ولا ينبغي الخلط بين الحالات الفردية وعموم المهنيين الذين يعملون بجد ويقدمون خدمات محترمة.

لكن تجاهل هذه الممارسات هو الذي قد يسمح بتكوين صورة جماعية سلبية.

فإذا أصبح السائح يسمع قبل سفره إلى مراكش تحذيرات من الأسعار المبالغ فيها، وحراس السيارات، وبعض الخدمات غير الواضحة، فإنه سيصل إلى المدينة وهو يحمل مسبقاً درجة من الشك.

وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.

مراكش لا ينبغي أن تتحول في المخيال السياحي الدولي من “المدينة الحمراء” إلى مدينة يتعين على الزائر فيها أن يحسب ثمن كل خطوة قبل أن يخطوها.

السياحة ليست مجرد أرقام

قد ترتفع أعداد السياح، وقد تمتلئ الفنادق، وقد تتصدر مراكش قوائم الوجهات العالمية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التجربة السياحية ناجحة.

السياحة المستدامة تقوم على ثلاثة عناصر متلازمة: جودة الخدمة، شفافية المعاملة، وحماية الزائر.

وأي خلل في هذه المعادلة قد يتحول إلى أزمة سمعة.

لهذا فإن المسؤولية لا تقع على وزارة السياحة وحدها. إنها مسؤولية مشتركة بين السلطات المحلية، وأجهزة المراقبة، والجماعات الترابية، والمهنيين، ومختلف المتدخلين في القطاع.

لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق من يملك سلطة التدخل والمراقبة.

فلا يعقل أن تظل مدينة سياحية بحجم مراكش رهينة ممارسات فردية تضر بسمعتها، بينما يتم في المقابل إنفاق جهود كبيرة للترويج لها في الأسواق الدولية.

مراكش تستحق أفضل من ذلك

مراكش ليست مجرد وجهة سياحية. إنها إحدى واجهات المغرب أمام العالم.

ولهذا فإن حماية السائح ليست مجاملة للأجنبي، كما أن مراقبة الأسعار ليست حرباً على المهنيين. إنها ببساطة حماية للمستهلك، وحماية للقطاع، وحماية لصورة المغرب.

إذا كانت قنينة ماء صغيرة تباع بـ20 درهماً في بعض الأماكن، وإذا كان حارس سيارات يطالب بـ100 درهم، فالمطلوب ليس فقط معرفة من يقف وراء هذه الممارسات، بل معرفة لماذا تستمر إن كانت مخالفة للقواعد المعمول بها.

أين المراقبة؟ ومن يحاسب؟ ومن يحمي السائح؟ ومن يحمي مراكش نفسها؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُعتبر حملة ضد السياحة المغربية، بل العكس تماماً.

فالانتقاد الصريح للممارسات التي تسيء إلى السائح هو في جوهره دفاع عن السياحة.

مراكش لا تحتاج إلى أن يقال عنها إنها مدينة تستقبل ملايين الزوار.

مراكش تحتاج إلى أن يقول الزائر، بعد مغادرتها: لقد عوملت باحترام، وسأعود مرة أخرى.

أما إذا أصبح السائح مطالباً بالدفاع عن جيبه في كل شارع وموقف ومحل، فإن الخطر لا يكون في ثمن قنينة ماء أو أجرة موقف سيارة، بل في السعر الذي قد تدفعه المدينة مستقبلاً من سمعتها السياحية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com