مراكش تشدد الخناق على حراس السيارات غير القانونيين.. 20 موقوفاً في حملة أمنية بجليز

حنان الفاتحي

في خطوة تعكس تشديد السلطات الأمنية لمراقبة استغلال الفضاءات العمومية بشكل غير قانوني، شنت عناصر الشرطة القضائية بولاية أمن مراكش، ليلة الجمعة 7 غشت، حملة أمنية استهدفت ظاهرة حراسة السيارات العشوائية بعدد من النقاط التابعة لمقاطعة جليز، إحدى أكثر المناطق حيوية واستقطاباً للسكان والزوار بالمدينة.

وأسفرت العملية، وفق مصدر أمني، عن توقيف 20 شخصاً بالقرب من عدد من الفنادق والمقاهي، للاشتباه في ممارستهم نشاط حراسة السيارات دون سند قانوني يخول لهم ذلك.

وأفاد المصدر ذاته بأن الموقوفين جرى اقتيادهم إلى الدائرة الأمنية المختصة، حيث خضعوا للإجراءات القانونية المعمول بها، وتم تحرير المحاضر بشأن الوقائع المنسوبة إليهم، تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

وتأتي هذه الحملة في سياق تحركات أمنية ترمي إلى الحد من مظاهر احتلال الفضاء العمومي وممارسة أنشطة غير منظمة، ولا سيما في المناطق السياحية التي تشهد حركة مكثفة للسيارات وإقبالاً متزايداً من المواطنين والزوار.

ظاهرة تتجاوز مسألة «حراسة السيارات»

وتعيد هذه العملية إلى الواجهة ظاهرة حراس السيارات غير القانونيين التي أصبحت، في عدد من المدن المغربية، جزءاً من المشهد اليومي في الشوارع والأحياء والمناطق السياحية.

فالمشكلة لا ترتبط فقط بوجود أشخاص يعرضون خدمة حراسة السيارات دون ترخيص، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقة التي تنشأ بينهم وبين مستعملي الطريق. وفي بعض الحالات، يجد السائق نفسه أمام طلب أداء مبلغ مالي مقابل ركن سيارته في فضاء عمومي، رغم عدم وجود تعريفة رسمية أو جهة واضحة تتحمل مسؤولية تنظيم الخدمة.

ويزداد تعقيد الوضع في المدن السياحية، حيث يمكن لمثل هذه الممارسات أن تؤثر في صورة المدينة وفي تجربة الزائر، خصوصاً عندما تتحول مواقف السيارات والأرصفة إلى فضاءات تفرض فيها خدمات غير منظمة بقوة الأمر الواقع.

بين الحاجة الاجتماعية واحترام القانون

ولا يمكن، في المقابل، معالجة الظاهرة بمعزل عن بعدها الاجتماعي. فعدد من الأشخاص الذين يمارسون هذا النشاط يعتمدون عليه كمصدر للدخل، ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لمعالجة جذور المشكلة على المدى البعيد.

لكن الاعتبارات الاجتماعية لا تلغي ضرورة احترام القانون وتنظيم استعمال الملك العمومي. فالمطلوب هو إيجاد صيغة توازن بين حماية الأشخاص الذين يبحثون عن مورد للعيش وبين ضمان حق المواطنين والزوار في استعمال الفضاءات العمومية دون تعرضهم لضغوط أو مطالب مالية غير مؤطرة.

ومن هنا، فإن نجاح أي سياسة في هذا المجال لا يقاس فقط بعدد التوقيفات، وإنما بقدرتها على تقليص الظاهرة بصورة مستدامة، من خلال تنظيم مواقف السيارات، وتحديد المسؤوليات، وتوفير بدائل قانونية لمن يعتمدون على هذا النشاط في كسب رزقهم.

جليز تحت المجهر

وتكتسب الحملة الأخيرة دلالتها من كونها استهدفت منطقة جليز، التي تعد من أبرز المراكز التجارية والسياحية في مراكش، وتضم عدداً كبيراً من الفنادق والمقاهي والمطاعم والفضاءات التي تعرف حركة متواصلة على مدار اليوم.

وتفرض هذه الكثافة على السلطات المحلية والأمنية تحديات إضافية مرتبطة بتنظيم حركة السير، واستعمال الملك العمومي، وضمان انسيابية التنقل، إلى جانب الحفاظ على صورة المدينة السياحية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل الحملات الأمنية وسيلة لفرض احترام القواعد، لكنها تظل في حاجة إلى مواكبة إدارية وتنظيمية حتى لا تعود الظاهرة إلى الواجهة بمجرد انتهاء الحملات الظرفية.

من الردع إلى التنظيم

تكشف واقعة توقيف 20 شخصاً أن ظاهرة حراسة السيارات غير القانونية لم تعد مسألة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إزعاج عابر. إنها جزء من إشكالية أوسع تتعلق بتدبير الفضاء العمومي، وبمدى قدرة المدن على توفير خدمات واضحة ومنظمة للسكان والزوار.

وفي مدينة بحجم مراكش، التي تستقبل أعداداً كبيرة من السياح والزوار، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية، لأن جودة الفضاء العمومي لا تنفصل عن صورة المدينة وسمعتها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توقيف المخالفين، بل في الانتقال من التدخل الأمني الظرفي إلى سياسة متكاملة تقوم على التنظيم والردع في آن واحد، مع معالجة الجوانب الاجتماعية التي تغذي الظاهرة.

فحين يكون استعمال الشارع العام مؤطراً بقواعد واضحة، وتكون مواقف السيارات منظمة والتعريفات معلنة والجهات المسؤولة معروفة، تتراجع مساحة الفوضى، ويستعيد المواطن والزائر حقهما الطبيعي في استعمال الفضاء العمومي بعيداً عن الإكراه أو الابتزاز أو العشوائية.

وتبقى الحملة الأمنية الأخيرة بجليز رسالة واضحة بأن استغلال الفضاء العمومي خارج الإطار القانوني لن يكون بمنأى عن المراقبة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أوسع على المسؤولين: كيف يمكن تحويل محاربة حراس السيارات العشوائيين من حملات موسمية إلى سياسة حضرية دائمة تضمن النظام وتحفظ كرامة المواطن في آن واحد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com