رحلة جنيف تفتح ملف الصراع داخل السلطة الجزائرية: مستشار تبون في قلب تسريبات مثيرة للجدل

بوشعيب البازي

لقاء قصير في سويسرا بين مسؤول بالرئاسة الجزائرية ورجل أعمال ورد اسمه في قضية فريد بن شيخ يثير تساؤلات بشأن التوازنات داخل مؤسسات الحكم، وسط اتهامات متبادلة وصراع لم تعد كواليسه بمنأى عن التسريبات.

لم تكن الرحلة التي قام بها عبد اللطيف بلقايم، المكلف بمهمة في الرئاسة الجزائرية والمقرب من الرئيس عبد المجيد تبون، إلى جنيف يوم 24 أكتوبر، مجرد تنقل عابر بين الجزائر وسويسرا. فبحسب معطيات وصور نشرها معارضون وصحفيون جزائريون في الخارج، التقى المسؤول الرئاسي رجل الأعمال رافع تشوكا، الذي ورد اسمه في قضية فريد بن شيخ، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، المتابع في ملف ذي أبعاد أمنية وسياسية بالغة الحساسية.

وأعادت هذه الواقعة إلى الواجهة أسئلة بشأن طبيعة الصراع داخل مراكز القرار الجزائرية، ولا سيما العلاقة بين الرئاسة وقيادات المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. غير أن دلالات اللقاء، مهما بلغت حساسيتها، تظل رهينة التحقق من ملابساته، في ظل غياب توضيح رسمي بشأن أهداف الرحلة ومضمون المحادثات.

رحلة قصيرة وأسئلة كثيرة

هذا و قد استقل بلقايم رحلة الخطوط الجوية الجزائرية AH2046 المتجهة من الجزائر العاصمة إلى جنيف، قبل أن يعود في اليوم نفسه على متن الرحلة AH2047. ولم تستغرق زيارته، بحسب الرواية ذاتها، سوى ساعات قليلة، تخللها لقاء في المطار مع رافع تشوكا دام نحو 17 دقيقة.

وأظهرت الصور المتداولة بلقايم داخل المطار وهو يحمل حقيبته ويتحدث إلى شخص آخر، في مشاهد أثارت اهتماما واسعا بالنظر إلى هوية الطرفين والسياق الذي جرى فيه اللقاء.

وذهب المصادر إلى أن الرحلة تمت من دون أمر بمهمة معلن أو مبرر مهني معروف، مضيفا أن أجهزة الاستخبارات لم تكن على علم بها. ولم يتسنَّ، استنادا إلى المعطيات الواردة في هذه الروايات، التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات أو تحديد الجهة التي تقف وراء نشر الصور.

من هو عبد اللطيف بلقايم؟

تنبع حساسية القضية من الموقع الذي يشغله بلقايم داخل محيط الرئاسة. فقد برز، بصفته صحفيا سابقا، خلال الحملة الانتخابية لعبد المجيد تبون سنة 2019، قبل أن يتولى مهام داخل الرئاسة الجزائرية، حيث يُقال إنه يشارك في متابعة ملفات سياسية واتصالية حساسة.

ويوصف بأنه من بين المستشارين الأكثر نفوذا لدى الرئيس. وإذا كانت هذه المكانة تعكس بالفعل حجم قربه من مركز القرار، فإن سفره للقاء شخص ورد اسمه في قضية أمنية أمام القضاء العسكري يطرح سؤالا مشروعا بشأن طبيعة المهمة التي دفعته إلى جنيف، والجهة التي كانت على علم بها.

لكن القرب من الرئيس، في حد ذاته، لا يثبت أن الرحلة تمت بتكليف منه أو بموافقته. وتظل معرفة الجهة التي رتبت اللقاء، والغاية منه، وأي صلة محتملة له بالملف القضائي، عناصر أساسية لفهم الواقعة بعيدا عن الاستنتاجات غير المدعومة بأدلة مستقلة.

قضية فريد بن شيخ في خلفية المشهد

لا يمكن فصل لقاء جنيف عن قضية فريد بن شيخ، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، التي تحولت إلى أحد الملفات الحساسة في المشهد الأمني الجزائري. فقد ارتبطت القضية باتهامات خطيرة، من بينها الخيانة العظمى والتجسس والتآمر ضد الدولة، بحسب الروايات المتداولة بشأنها.

ويُشتبه في أن رافع تشوكا لعب دورا في ظهور معطيات مرتبطة بالملف، إذ تحدث السمار عن واقعة استيلائه المزعوم على هاتف السعيد بن سديرة خلال شجار وقع في ضواحي باريس، ثم تسليمه إلى مقربين من بن شيخ. ووفقا للرواية نفسها، كان الهدف المفترض الاطلاع على محتويات قد تُستخدم ضد مسؤولين في أجهزة الاستخبارات والقضاء العسكري وهيئة الأركان.

وتشير الروايات المنشورة كذلك إلى أن تشوكا يواجه متابعات قضائية في فرنسا، وأن مذكرة توقيف صدرت بحقه في الجزائر. غير أن هذه المعطيات، شأنها شأن الاتهامات الأخرى المرتبطة بالقضية، تحتاج إلى توثيق مستقل وإلى تمييز واضح بين الوقائع المثبتة والادعاءات المنسوبة إلى أطراف النزاع.

وفي خلفية الملف، تتردد اتهامات بوجود خلافات بين بن شيخ ومسؤولين أمنيين وعسكريين، من بينهم قيادات في أجهزة الأمن الداخلي والأمن الخارجي والنيابة العسكرية بالبليدة. كما نُسب إلى بن شيخ أنه أبلغ المحققين بأنه كان يتصرف بناء على تعليمات صادرة عن الرئاسة، مستحضرا اسم بوعلام بوعلام، مدير الديوان الرئاسي السابق.

وإذا ثبتت هذه التصريحات في محاضر رسمية، فإنها قد تساعد على فهم طبيعة النزاع وحدود المسؤوليات داخله. أما في غياب الاطلاع على الوثائق القضائية ذات الصلة، فلا يمكن التعامل معها باعتبارها دليلا نهائيا على تورط أي جهة.

تسريب الصور: من يقف وراء الرسالة؟

لا تقل طريقة انتشار الصور أهمية عن اللقاء نفسه. فقد جرى تداولها بسرعة، لتتحول زيارة قصيرة إلى مادة سياسية وإعلامية تضع أحد المقربين من الرئاسة في دائرة التساؤلات.

ويرى السمار أن بلقايم ربما كان محل متابعة من أجهزة داخل الدولة، وأن تسريب الصور استهدف إحراج الرئاسة ودفعها إلى اتخاذ موقف يصعب عليها تجاهله. لكن هذه الفرضية لم تُدعَّم، في المعطيات المتاحة، بدليل حاسم يحدد الجهة التي التقطت الصور أو سربتها، كما لا توجد معلومات مستقلة تثبت أن أجهزة استخباراتية كانت تراقب تحركات المسؤول الرئاسي.

ومع ذلك، فإن ظهور صور من هذا النوع في قضية شديدة الحساسية يفتح الباب أمام احتمال استخدام التسريبات في تصفية الحسابات داخل مؤسسات الحكم. فالمعلومة، في بيئة تتداخل فيها المصالح الأمنية والسياسية، قد تتحول إلى وسيلة ضغط لا تقل تأثيرا عن الإجراءات الرسمية.

والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن سرّب الصور، بل أيضا بالجهة التي يمكن أن تستفيد من نشرها في هذا التوقيت، وبالرسالة التي أرادت إيصالها إلى الرئاسة أو المؤسسة العسكرية أو الرأي العام.

صراع الأجنحة واختبار تماسك النظام

شهدت الجزائر خلال السنوات الماضية تغييرات وملاحقات طالت مسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين، في سياق اتسم بإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة. وقد غذّت هذه التطورات تكهنات بشأن طبيعة العلاقة بين الرئاسة وقيادات الجيش وأجهزة الاستخبارات، خصوصا عندما تتقاطع الملفات القضائية مع الحسابات السياسية.

وفي هذا السياق، تكتسب رحلة جنيف أهميتها من كونها تضع مسؤولاً من داخل الرئاسة في لقاء مباشر مع شخص ورد اسمه في قضية تمس مؤسسات أمنية وعسكرية. غير أن الصور، مهما كانت دلالتها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود تنسيق سري أو تواطؤ بين أطراف محددة، ولا لتحديد موقع الرئاسة من الاتهامات المرتبطة بملف بن شيخ.

كما أن تزامن الزيارة، وفق الروايات المنشورة، مع التحضير لقرار برلماني يتعلق بإرسال قوات عسكرية إلى النيجر أضاف بعدا سياسيا إلى القضية. إلا أن إثبات وجود علاقة بين الحدثين يقتضي معطيات تتجاوز التقارب الزمني، ولا سيما في ظل غياب معلومات موثوقة تربط اللقاء بمداولات القرار أو خلفياته.

هل تتحرك المؤسسات أم تلتزم الصمت؟

حتى الآن، لا تتضمن المعطيات الواردة في الروايات المنشورة توضيحا رسميا من عبد اللطيف بلقايم أو الرئاسة الجزائرية بشأن الرحلة، كما لا تقدم دليلا على فتح تحقيق معلن حولها. ويترك هذا الغياب المجال مفتوحا أمام التأويلات، في وقت تتطلب فيه خطورة الاتهامات توضيحا يستند إلى الوقائع لا إلى التسريبات وحدها.

وتبقى الأسئلة الأساسية محددة: ما الغرض من الرحلة؟ هل كان اللقاء شخصيا أم مرتبطا بمهمة رسمية؟ من رتبه؟ وهل كانت الجهات المختصة في الدولة على علم به؟ ثم ما طبيعة العلاقة بين هذا اللقاء والملف القضائي الذي ورد فيه اسم تشوكا؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الواقعة مجرد لقاء لم تُكشف خلفياته بعد، أم حلقة جديدة في صراع أوسع على النفوذ داخل الدولة الجزائرية.

في المحصلة، لا تكمن أهمية رحلة جنيف في مدتها القصيرة، بل في موقع الشخص الذي قام بها، وهوية من التقاه، والسياق الأمني والسياسي الذي أحاط بالواقعة. أما تحويلها إلى دليل قاطع على انقسام السلطة أو تورط أطراف بعينها، فيظل استنتاجا سابقا لأوانه ما لم تدعمه وثائق أو تحقيقات مستقلة.

ومهما كانت حقيقة ما جرى خلال تلك الدقائق، فإن القضية تضع الرئاسة الجزائرية أمام ضرورة توضيح ملابسات الرحلة، وتذكّر بأن غياب المعلومات الرسمية في الملفات الحساسة لا يوقف الأسئلة، بل يترك المجال أمام الروايات المتنافسة لتشكيل صورة المشهد السياسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com