الصحراء المغربية وإعادة تعريف دور المينورسو: واشنطن تدفع نحو مراجعة المقاربة الأممية للنزاع

بوشعيب البازي

تفتح المسودة الأميركية المقترحة بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) نقاشاً جديداً حول جدوى آليات حفظ السلام التقليدية، وحدود قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والميدانية التي عرفها النزاع على مدى عقود. فالمقترح، الذي يتضمن إنهاء التفويض العسكري للبعثة بحلول 30 أبريل 2027، والانتقال إلى صيغة سياسية خاصة، مع تقليص المكون العسكري بنسبة لا تقل عن 50%، يعكس توجهاً نحو إعادة تقييم دور الأمم المتحدة، في ضوء تعثر المسار السياسي واستمرار الخلاف بشأن التسوية النهائية.

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى ما يتضمنه المشروع من مراجعة للمهام التقليدية للبعثة، بما في ذلك تراجع مركزية الخيار الاستفتائي في التصور المطروح. غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى قرار أممي نهائي تظل رهينة بالمداولات داخل مجلس الأمن، وبطبيعة التوافق الذي يمكن أن تحققه الدول الأعضاء بشأن مستقبل العملية السياسية.

من مراقبة وقف إطلاق النار إلى البحث عن تسوية سياسية

لا يمكن فصل المقاربة الأميركية الجديدة عن النقاش المتنامي داخل الأمم المتحدة حول فعالية بعثات حفظ السلام التي تستمر ولاياتها لسنوات طويلة دون تحقيق اختراق سياسي حاسم. فالمينورسو، التي أُنشئت سنة 1991 في سياق ترتيبات وقف إطلاق النار، وجدت نفسها أمام واقع إقليمي متغير، في وقت ظل فيه الخلاف حول آليات تقرير المصير وطبيعة الحل النهائي قائماً.

وفي هذا السياق، يكتسب مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 أهمية متزايدة في النقاش الدبلوماسي، باعتباره إطاراً للتفاوض على تسوية سياسية تحت السيادة المغربية. وقد جعلت الرباط من هذا المقترح محور تحركها الدولي، بالتوازي مع استثمارات واسعة في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية.

لكن الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المعنية على الانخراط في مفاوضات جدية، وبما ستقرره الأمم المتحدة بشأن طبيعة المهمة التي يمكن أن تضطلع بها البعثة مستقبلاً.

التنمية في الأقاليم الجنوبية ورهان تثبيت الاستقرار

على المستوى الميداني، تراهن المملكة على التنمية الاقتصادية باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار وترسيخ اندماج الأقاليم الجنوبية في محيطها الوطني والإفريقي. وتندرج في هذا الإطار مشاريع استراتيجية، من بينها ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُرتقب أن يشكل بوابة للتبادل التجاري نحو غرب إفريقيا، فضلاً عن مشاريع الربط الطاقي، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب.

وتسعى هذه المشاريع إلى إعادة تموقع المنطقة ضمن شبكات التجارة والطاقة والاستثمار، بما يتجاوز دورها الجغرافي التقليدي نحو فضاء اقتصادي مرتبط بالمحيط الأطلسي وعمقه الإفريقي.

ومن المنظور المغربي، تشكل هذه الدينامية التنموية أحد مرتكزات الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي، انطلاقاً من اعتبار أن أي تسوية سياسية مستدامة ينبغي أن تستند إلى مؤسسات قادرة على توفير فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية وتوسيع آفاق التنمية المحلية.

ومع ذلك، فإن الرهان التنموي، على أهميته، لا يلغي الحاجة إلى معالجة الجوانب السياسية والقانونية للنزاع، ولا يعفي الأطراف المعنية من الالتزامات المرتبطة بالمسار الأممي.

الدبلوماسية المغربية ومحاولة نقل النقاش إلى مرحلة جديدة

في هذا الإطار، يواصل المغرب الدفع نحو إعادة توجيه النقاش الدولي من التركيز على الآليات الإجرائية التي رافقت النزاع لعقود إلى البحث عن تسوية سياسية قابلة للتطبيق. وقد عبّر السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، في مداخلاته الدبلوماسية، عن موقف الرباط القائم على اعتبار أن مقترح الحكم الذاتي يشكل أساساً واقعياً للتوصل إلى حل نهائي.

ويعكس هذا التوجه استراتيجية مغربية تقوم على الجمع بين التحرك الدبلوماسي، وتعزيز الشراكات الدولية، وتطوير البنية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية. كما يستند إلى تنامي التأييد الدولي للمبادرة المغربية لدى عدد من الدول، وإن كانت مواقف الأطراف الدولية لا تزال متفاوتة بشأن الصيغة النهائية للتسوية.

وفي المقابل، فإن أي تعديل جوهري في ولاية المينورسو سيظل خاضعاً لمداولات مجلس الأمن، ولا يمكن التعامل مع مضامين المسودة المقترحة باعتبارها قرارات نافذة قبل اعتمادها رسمياً.

رفض البوليساريو يضع مستقبل العملية السياسية أمام اختبار جديد

في الجهة المقابلة، تثير التوجهات الأميركية المقترحة اعتراضات لدى جبهة البوليساريو، التي تتمسك بمقاربتها القائمة على إجراء استفتاء لتقرير المصير. وقد لوّحت الجبهة، وفق المعطيات الواردة بشأن موقفها من المسودة، بإمكانية الانسحاب من العملية السياسية إذا جرى اعتماد المشروع بصيغته الحالية دون إدخال تعديلات جوهرية.

ويكشف هذا الموقف عن اتساع الهوة بين التصور المغربي، الذي يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للتسوية، وموقف البوليساريو الذي يرفض استبعاد خيار الاستفتاء.

غير أن التهديد بالانسحاب، إذا تأكد رسمياً، لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء المسار الأممي، بقدر ما سيطرح أسئلة إضافية حول قدرة مجلس الأمن على الحفاظ على قنوات التفاوض، وتحديد مسؤوليات الأطراف في البحث عن حل سياسي.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للمقاربة الأميركية لا يقتصر على إعادة هيكلة البعثة، بل يمتد إلى مدى قدرتها على تحويل الضغط الدبلوماسي إلى مسار تفاوضي واضح، يحول دون تجدد التوتر ويهيئ الظروف لتسوية مستدامة.

مخيمات تندوف وضرورة معالجة ملف الإحصاء

ومن بين الملفات التي تحضر في النقاش المتعلق بمستقبل النزاع، مسألة إحصاء سكان مخيمات تندوف. ويكتسي هذا الملف أهمية إنسانية وقانونية، بالنظر إلى ارتباطه بتحديد الاحتياجات الفعلية للسكان، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتحسين آليات الحماية والمساءلة.

وتتحدث المعطيات المتعلقة بالمسودة الأميركية عن تحديد مهلة زمنية لاستكمال عملية الإحصاء، في خطوة من شأنها، إذا أُقرت ونُفذت، أن تعيد هذا الملف إلى صدارة الاهتمام الأممي.

ويؤكد المغرب منذ سنوات ضرورة إجراء إحصاء دقيق للسكان في المخيمات، بينما يظل تنفيذ هذه العملية مرتبطاً بالتعاون بين الجهات المعنية والوكالات الأممية المختصة، فضلاً عن توافر الشروط العملية اللازمة لإنجازها.

ولا تقتصر أهمية الإحصاء على أبعاده التقنية، بل تمتد إلى ضمان الشفافية في تدبير المساعدات الإنسانية، وتوفير معطيات موثوقة تساعد على صياغة سياسات تستجيب للاحتياجات الحقيقية للسكان، بعيداً عن أي توظيف سياسي لمعاناتهم.

الجزائر وموريتانيا في معادلة التسوية

تضع التطورات المرتبطة بالمسودة الأميركية الجزائر أمام نقاش متجدد بشأن دورها في العملية السياسية، في ظل تمسك الرباط بضرورة إشراك الأطراف المعنية في مفاوضات جادة تقوم على أساس واقعي. كما تظل موريتانيا طرفاً حاضراً في المسار الأممي، بحكم موقعها الإقليمي وصلتها بتوازنات المنطقة.

وتبرز أهمية هذه الأطراف في أي صيغة تفاوضية مستقبلية، بالنظر إلى أن تسوية النزاع لا تتوقف على تعديل ولاية البعثة وحده، وإنما تتطلب معالجة الخلافات السياسية التي حالت دون تحقيق تقدم حاسم طوال السنوات الماضية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي توجه أميركي لإعادة صياغة دور المينورسو سيُقاس بقدرته على توفير إطار تفاوضي أكثر فعالية، وليس فقط بخفض النفقات أو تقليص عدد العناصر العسكرية.

مرحلة مفصلية ولكنها ليست نهاية المسار

تعكس المسودة الأميركية، في حال اعتمادها بالمضامين المتداولة، توجهاً نحو مراجعة وظيفة المينورسو والبحث عن آليات أكثر ارتباطاً بالمسار السياسي. وهي خطوة قد تحمل تداعيات مهمة على طبيعة إدارة النزاع، لكنها لا تعني، في حد ذاتها، أن التسوية النهائية أصبحت محسومة أو أن جميع العقبات الدبلوماسية والقانونية قد زالت.

وبالنسبة إلى المغرب، تتيح هذه التطورات فرصة لتعزيز طرحه القائم على الحكم الذاتي والتنمية والشراكات الاقتصادية، مع مواصلة الدفاع عن سيادته على الأقاليم الجنوبية في المحافل الدولية. أما بالنسبة إلى الأمم المتحدة، فإن التحدي يتمثل في الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى تيسير تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تحظى بما يكفي من الدعم الدولي وتستجيب لمقتضيات الاستقرار الإقليمي.

وفي المحصلة، لا تُقاس أهمية أي تغيير في ولاية المينورسو بمجرد إنهاء مهمة عسكرية أو استحداث بعثة سياسية جديدة، بل بمدى إسهامه في فتح أفق واقعي للحل، وتخفيف التوتر، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة الظروف أمام الأطراف المعنية للانتقال من صراع المواقف إلى التفاوض على تسوية نهائية.

فالمعركة الدبلوماسية المقبلة لن تكون حول مستقبل البعثة الأممية وحده، بل حول الإطار السياسي الذي سيحدد مستقبل النزاع برمته، وقدرة المجتمع الدولي على تحويل سنوات الجمود إلى فرصة حقيقية للسلام والاستقرار في المنطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com