بوريطة يعلن بداية مرحلة جديدة في ملف الصحراء.. الرباط تستعد لطي صفحة المينورسو وإعادة ترتيب تحركها الأممي
مجدي فاطمة الزهراء
تتجه الدبلوماسية المغربية إلى إعادة صياغة مقاربتها لملف الصحراء، في ضوء تعثر تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، بعد نحو 35 عاماً على وجودها في الأقاليم الجنوبية. وهو تطور تعتبره الرباط فرصة للانتقال من مرحلة إدارة النزاع عبر الآليات الأممية التقليدية إلى مرحلة جديدة تضع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في صدارة المسار السياسي.
وفي حوار خاص بثته القناة الثانية المغربية «دوزيم»، مساء السبت 31 أكتوبر 2026، قدم وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة قراءة مغربية للتطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن، معتبراً أن عدم تجديد ولاية البعثة لا يقتصر على كونه تعثراً في المسار الإجرائي، بل يحمل انعكاسات سياسية وميدانية تتجاوز موعد التجديد السنوي.
وأوضح بوريطة أن انتهاء الولاية، وفق القراءة المغربية، يمهد لإنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموز الأمم المتحدة التي ظلت حاضرة في مدن المنطقة لعقود. ومن شأن ذلك، بحسب الوزير، أن يغير المشهد الميداني الذي ارتبط بوجود المينورسو منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.
الرباط تميز بين إنهاء الولاية وطرد البعثة
حرص رئيس الدبلوماسية المغربية على التأكيد أن الأمر لا يتعلق بقرار مغربي بطرد المينورسو، وإنما بالتعامل مع النتائج المترتبة على عدم تجديد ولايتها. وأشار إلى أن المغرب، باعتباره بلداً يساهم في عمليات حفظ السلام الأممية، سيحرص على تدبير الجوانب التقنية واللوجستية المرتبطة بمغادرة أفراد البعثة ومعداتها، بالتنسيق مع الجهات المختصة في الأمم المتحدة.
ويعكس هذا التوضيح رغبة الرباط في تقديم موقفها باعتباره انتقالاً منظماً يستند إلى الوضع القانوني الجديد للبعثة، وليس إجراءً أحادياً أو تصعيداً ميدانياً. كما يحمل رسالة مفادها أن المغرب لا يسعى إلى الدخول في مواجهة مع المؤسسة الأممية، بقدر ما يريد مراجعة إطار ظل قائماً منذ 35 سنة، من دون أن يفضي إلى تسوية نهائية للنزاع.
وتأتي تصريحات بوريطة عقب تعثر مجلس الأمن، في اجتماعه المنعقد يوم 30 أكتوبر، في اعتماد مشروعي قرارين بشأن مستقبل المينورسو. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأميركي، بينما لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد الولاية سنة إضافية، من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة.
ونتيجة لذلك، انتهت الولاية القائمة في 31 أكتوبر 2026 من دون صدور قرار جديد بتمديدها. غير أن هذا التطور لا يعني تلقائياً اتخاذ مجلس الأمن قراراً بإنهاء وجود البعثة أو سحب ملف الصحراء من جدول أعماله، وهي نقطة تظل مرتبطة بالإجراءات الأممية اللاحقة.
نهاية الضغط السنوي على الدبلوماسية المغربية
من أبرز ما كشفته تصريحات بوريطة أن الرباط تنظر إلى انتهاء ولاية المينورسو باعتباره فرصة للتخلص من ضغوط دبلوماسية كانت تتجدد مع اقتراب موعد التصويت السنوي داخل مجلس الأمن.
وأوضح الوزير أن بعض الدول كانت تستغل هذا الاستحقاق لربط مواقفها من تجديد الولاية بحسابات ومطالب أخرى، الأمر الذي كان يفرض على الدبلوماسية المغربية تعبئة سياسية واتصالات مكثفة لتفادي توظيف الملف في مساومات لا ترتبط مباشرة بمستقبل البعثة.
وفي هذا السياق، استحضر بوريطة حالة الصومال، مشيراً إلى ما اعتبره ربطاً في مرحلة سابقة بين موقفها من تجديد ولاية المينورسو والتزامات تتعلق بفتح قنصلية في الأقاليم الجنوبية. وهي إشارة تعكس، من وجهة النظر المغربية، طبيعة الضغوط التي كانت ترافق التصويت السنوي، وكيف تحولت بعض الاستحقاقات الأممية إلى مجال لتبادل الرسائل والمصالح الدبلوماسية.
وبذلك، لا تنحصر الرهانات المغربية في مغادرة البعثة، بل تشمل أيضاً إنهاء نمط من التدبير الدبلوماسي الذي ظل يفرض نفسه على أجندة الرباط مع كل موعد للتجديد، وإعادة توجيه الجهود نحو تثبيت المكتسبات السياسية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.
الحكم الذاتي في صلب المرحلة المقبلة
على المستوى السياسي، يبرز التحدي الأساسي أمام المغرب في كيفية تحويل التحولات التي عرفها موقف عدد من الدول من مبادرة الحكم الذاتي إلى مسار تفاوضي يحظى بقبول دولي أوسع.
وفي هذا الإطار، اعتبر العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تصريحات بوريطة تعكس توجهاً نحو تجاوز آليات تدبير الملف بصيغتها التقليدية، ومواكبة التحولات التي عرفتها القضية، خصوصاً مع تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية.
وأضاف الوردي، في تصريح لصحيفة «العرب»، أن المرحلة المقبلة تقتضي من الرباط الحفاظ على المكتسبات الدبلوماسية ومواصلة الترافع عن مقترح الحكم الذاتي في المحافل الدولية، بما يسمح بتحويل الدعم السياسي إلى أرضية عملية لتسوية النزاع.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية في ضوء البيان الصادر عن الديوان الملكي عقب تعثر تجديد الولاية، والذي اعتبر أن التطور يشكل خطوة ذات دلالة في اتجاه طي ملف الصحراء. كما دعا إلى وضع حد للاجتماعات الدورية لمجلس الأمن والتقارير والإحاطات المرتبطة بالبعثة، وصولاً إلى سحب القضية من جدول أعمال المجلس.
لكن ما ورد في البيان يعبر عن الموقف السياسي المغربي من المرحلة المقبلة، ولا يشكل في حد ذاته قراراً أممياً بإنهاء مناقشة القضية داخل مجلس الأمن.
المعركة الدبلوماسية تنتقل إلى مؤسسات أممية أخرى
وفي موازاة التطورات داخل مجلس الأمن، أشار بوريطة إلى أن المغرب يعتزم مواصلة تحركه داخل بقية أجهزة الأمم المتحدة، ولا سيما اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة، التي تنظر في القضايا المرتبطة بتصفية الاستعمار.
ولم يقدم الوزير تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة الخطوات المقبلة أو جدولها الزمني، غير أن حديثه عن ضرورة تحقيق الانسجام بين المواقف الدولية الداعمة للحكم الذاتي وطريقة معالجة الملف داخل الأمم المتحدة يكشف عن توجه نحو توسيع نطاق التحرك الدبلوماسي المغربي.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن تعثر تجديد ولاية المينورسو لا ينهي تلقائياً المسار الأممي، ولا يحسم بمفرده مستقبل النزاع. فالمغرب سيكون مطالباً بمواصلة الدفاع عن مقترحه السياسي، والعمل على إقناع الأطراف الدولية بجدوى الانتقال من إدارة الخلاف إلى البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ.
في المحصلة، تكشف تصريحات ناصر بوريطة عن محاولة مغربية لاستثمار المستجدات الأخيرة في إعادة ترتيب قواعد التعامل مع ملف الصحراء، وإنهاء الارتباط السياسي والدبلوماسي الذي فرضه موعد تجديد ولاية المينورسو سنوياً.
وبين الموقف المغربي الذي يرى في انتهاء الولاية بداية لمرحلة جديدة، والإجراءات التي يتعين على الأمم المتحدة حسمها بشأن مستقبل البعثة، يظل الاختبار الحقيقي في قدرة الرباط على تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى مسار سياسي واضح، يضع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في مركز أي تسوية مقبلة.