من سيخرج على قيد الحياة من “اجتماع تشيكرز”: تيريزا ماي أم بريكست
ماي تتحدى المتشددين بشأن وضع ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي في مباحثات ماراثونية داخل حكومتها المنقسمة.
اجتمعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، الجمعة في مقر رئيسة الحكومة المحافظة في تشيكرز على بعد 70 كلم في شمال غرب لندن، بأعضاء الحكومة لمحاولة تجاوز الانقسامات العميقة التي يثيرها بريكست بين وزرائها ودعتهم إلى عدم عرقلة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، والعمل على خطة موحدة بشأن البريكست، بعد أن بدأ الوقت ينفد أمام فرص التوصل إلى اتفاق
لندن – عقدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي اجتماعا حاسما في المقر الريفي لرئاسة الوزراء في بلدة “تشيكرز” الهادئة، لكن الاجتماع نفسه أبعد ما يكون عن الهدوء.
يحدد هذا الاجتماع أحد المصيرين: مصير ماي في رئاسة الحكومة البريطانية، أو مصير عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي ومستقبلها. وحتى مثول الجريدة للطباعة، لم تظهر أي بوادر عن نتائج الاجتماع.
ومصيرية هذا الاجتماع ممتدة من مآلاته ونتائجه معا. فتيريزا ماي وصلت إلى قناعة بأن الحكومة البريطانية باتت في مفترق طرق. ويؤدي هذا إلى طريقين متباعدين تماما.
أول هذين الطريقين هو الخروج بتوافق حول اتفاق جمركي مع الاتحاد الأوروبي يحدد شكل العلاقات التجارية المستقبلية بين الجانبين، كما يحسم مسألة الحدود بين أيرلندا الشمالية، وهي جزء من بريطانيا، وجمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي، وهي مشكلة تحولت إلى سم في جسد الطبقة السياسية البريطانية.
سيقود هذا الخيار، إن تحقق، حتما إلى تعزيز صلاحيات ماي، وخروجها بالبلد من مرحلة انقسام تحكمه منذ استفتاء يونيو 2016 على الخروج من الاتحاد، وضمان بقائها في المنصب إلى ما بعد الخروج الفعلي في الاتحاد في 29 مارس 2019.
وينحصر الخيار الثاني في عدم قبول الوزراء المتشددين لصالح بريكست بمقترح ماي بشأن التجارة مع أوروبا. ويتمثل مقترح رئيسة الوزراء في الجمع بين فوائد مقترحين، عكسا مدى انقسام الحكومة على مدار الشهور الماضية.
وكان الوزراء المتمسكون ببريكست حاسم، وعلى رأسهم وزير الخارجية بوريس جونسون، ووزير بريكست ديفيد ديفيز، ووزير البيئة مايكل غوف، يدعمون مقترحا يضمن عدم ربط بريطانيا بقواعد التجارة الأوروبية أو بقرارات المحكمة الأوروبية المطبقة نتيجة لها، كما يرفضون أي علاقة لبريطانيا بالسوق الموحدة.
المتشددون يشعرون أنهم قدموا بالفعل تنازلات كثيرة خلال المفاوضات الشاقة، التي انتهت مرحلتها الأولى في دجنبر الماضي
لكن لطالما دافع الوزراء المؤيدون للبقاء على بقاء بريطانيا كجزء من الاتحاد الجمركي على الأقل، وهو أمر يطلق عليه المتشددون “بريكست بالاسم فقط”.
ويشعر المتشددون في حكومة ماي أنهم قدموا بالفعل تنازلات كثيرة خلال هذه المفاوضات الشاقة، التي انتهت مرحلتها الأولى في ديسمبر الماضي. وعلى رأس هذه التنازلات موافقتهم على أن تدفع بريطانيا 40 مليار جنيه إسترليني كـ“فاتورة طلاق” من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب قبولهم بمقترح الفترة الانتقالية الممتدة لعامين، والتي أصرت عليها ماي لتخفيف تبعات الخروج على السوق والاستثمارات البريطانية.
وتقترح ماي حلا توافقيا يتضمن استخدام التكنولوجيا لتتبع البضائع التي تدخل عبر الأراضي الأوروبية أو الأراضي البريطانية وتحديد وجهتها النهائية.
وإذا دخلت البضائع من بريطانيا على سبيل المثال لكنها كانت متجهة أصلا إلى هولندا، تقوم بريطانيا بتحصيل الرسوم الجمركية على هذه البضائع نيابة عن الاتحاد الأوروبي، على أن تقوم الدول الأوروبية بفعل الشيء نفسه في ما يتعلق بالبضائع التي تدخل من أراضيها، وتتجه إلى بريطانيا.
ويقول المؤيدون لبريكست إن ربط بريطانيا بأي شكل من أشكال القواعد الجمركية يحولها إلى “محصل رسوم” عند أوروبا، وقد يمنع لندن من عقد أي اتفاق تجارة حرة مع أي طرف ثالث في المستقبل، خصوصا الولايات المتحدة.
وأدت هذه الخلافات إلى وصول الحكومة البريطانية إلى هذه النقطة، التي توقع معها مراقبون كثر أن تؤدي إلى تقديم وزراء كبار في الحكومة استقالاتهم، وبالتالي انهيار الحكومة. وسيقود هذا السيناريو إلى ترشح بوريس جونسون أو أحد الوزراء الآخرين المؤيدين لبريكست لرئاسة حزب المحافظين، ومن ثم الحكومة، وستلجأ معه ماي إلى أغلبية النواب المؤيدين للبقاء في أوروبا داخل البرلمان، في مواجهة أشبه بـ”حرب أهلية” سياسية داخل الحزب.
تهديد اقتصادي

كان موقف الشركات الكبرى في بريطانيا، منذ الاستفتاء، هادئا في انتظار ما ستسفر عنه عملية التفاوض المعقدة، التي يقودها دايفيز مع كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنيه. وكل ما تبحث عنه هذه الشركات من البريكست هو “اليقين”.
لكن بعد مرور قرابة عامين ونصف العام، لم يحصل المستثمرون على أي يقين بعد. وبدلا من ذلك، لا تزال الضبابية والارتباك، وفشل الحكومة في تحديد ما تريده بالضبط من بريسكت، تتحكم جميعا في خطط الاستثمار في بريطانيا على المديين المتوسط والبعيد.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة إيرباص توم اندرز، الجمعة، أن الحكومة البريطانية “ليست لديها أي فكرة أو على الأقل ليس عندها أي إجماع” بشأن التوصل إلى اتفاق حول بريكست.
وجدد موقف اندرز في لندن المخاوف الشديدة التي أعربت عنها الشركة الأوروبية المصنعة للطائرات الشهر الماضي في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق مع بروكسل.
وأضاف “نعتقد أن على الحكومة البقاء على الأقل في الاتحاد الجمركي، ونعتقد أن المملكة المتحدة يجب أن تبقى في الأجهزة التنظيمية”.
واهتزت الشركات الكبرى بعدما حذرت أوروبا من أنها بدأت تستعد لسيناريو “اللا اتفاق”. ويعني هذا خروج بريطانيا في مارس المقبل، بغض النظر عن نتيجة التفاوض.
وسيؤثر ذلك بشكل مباشر على الاقتصاد البريطاني، الذي سيتلقى ضربة قاصمة حينها، إذ من المرجح أن تنسحب شركات كبرى وتنقل عملياتها إلى أماكن أخرى في أوروبا. وسيتسبب ذلك في خسارة مئات الآلاف من البريطانيين لوظائفهم.
ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى عقد شراكة تجارية مع بريطانيا على الطريقة النرويجية، أو اتفاق تبادل حرّ متقدم مثل الاتفاق المبرم مع كندا. إلا أن ماي ترفض هذين الخيارين وتصرّ على وضع اتفاق لبلادها “مصمم على القياس”.
وأفزع ذلك رجال الأعمال، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي لشركة جاغوار لصناعة السيارات في بريطانيا رالف سبيث، الذي حذر قبل يومين من أن شركته “ستخسر 1.2 مليار جنيه إسترليني في العام في شكل تعريفات جمركية”، مؤكدا أن “الشركة تحتاج إلى المزيد من اليقين حتى تمضي قدما في خطط استثمار تقدر بـ80 مليار جنيه إسترليني في بريطانيا خلال الخمسة أعوام المقبلة”.
وتوظف شركة جاغوار أكثر من 40 ألف موظف على الأراضي البريطانية. وحذر سبيث من أنه “في حالة الخروج بلا اتفاق، فإن جاغوار سترحل عن بريطانيا إذا كان هو الخيار الوحيد أمامها”.
ويقول نيك ماكفيرسون، الرئيس السابق لشؤون الخزانة في الشركة، “سبيث رجل صناعي جدي ويحظى بالاحترام، ومرتبط كثيرا ببريطانيا، ويبقى على مسافة بعيدا عن السياسة، لذلك عندما يتحدث فيجب علينا أن نستمع”.