واشنطن تعزز رهانها على الكفاءة الأمنية المغربية: من الشراكة الاستخباراتية إلى هندسة أمن الأحداث العالمية

بوشعيب البازي

لم تعد الإشادة الأميركية بالأجهزة الأمنية المغربية مجرد تعبير دبلوماسي عن متانة العلاقات الثنائية، بل أصبحت مؤشراً استراتيجياً يعكس التحولات العميقة التي يشهدها موقع المملكة داخل منظومة الأمن الدولي. فالثناء الذي صدر عن نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) خلال زيارته لمركز التعاون الأمني الدولي المكلف بتنسيق الجهود الأمنية الخاصة بكأس العالم 2026، يكشف عن مستوى غير مسبوق من الثقة المتبادلة بين الرباط وواشنطن، ويؤكد أن المغرب بات يُنظر إليه باعتباره فاعلاً أمنياً يمتلك الخبرة والكفاءة للمساهمة في تأمين أكبر التظاهرات العالمية.

ويأتي هذا التقدير في سياق دولي يتسم بتعاظم التهديدات الأمنية وتعدد مصادرها، حيث لم تعد المخاطر التقليدية المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة وحدها محل اهتمام الدول، بل أضيفت إليها تحديات أكثر تعقيداً تشمل الهجمات السيبرانية، واستهداف البنيات التحتية الحيوية، والتهديدات الهجينة، واستخدام الطائرات المسيّرة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بتأمين التجمعات البشرية الكبرى التي أصبحت تمثل أهدافاً محتملة للجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، يكتسب التعاون الأمني المغربي الأميركي بعداً يتجاوز التنسيق الثنائي، ليصبح جزءاً من هندسة أمنية دولية تقوم على تقاسم المعلومات الاستخباراتية، وتوحيد آليات الاستجابة للأزمات، وتطوير القدرات العملياتية لمواجهة التهديدات المستجدة. وقد أثبتت التجربة أن المغرب راكم، خلال العقدين الأخيرين، خبرة عملية جعلته أحد أبرز الشركاء الدوليين في مجال مكافحة الإرهاب، سواء من خلال يقظة أجهزته الأمنية، أو عبر مساهماته في تفكيك شبكات متطرفة وتبادل معلومات دقيقة ساهمت في إحباط مخططات إرهابية داخل المغرب وخارجه.

إن اختيار المملكة للانضمام إلى فريق العمل التابع للبيت الأبيض المكلف بالتحضير الأمني لكأس العالم 2026 لا يمكن قراءته باعتباره قراراً تقنياً مرتبطاً بحدث رياضي فقط، وإنما يعكس اعترافاً أميركياً بمكانة المغرب داخل منظومة الأمن الجماعي. فالمشاركة في هذا المستوى من التخطيط الأمني تعني الانخراط في صياغة آليات الحماية الاستباقية للأحداث الدولية الكبرى، والمساهمة في تطوير معايير جديدة لتأمين ما يعرف في الدراسات الأمنية بـ”الأهداف اللينة” (Soft Targets)، التي أصبحت تمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في البيئات الحضرية المعاصرة.

ومن منظور جيوستراتيجي، فإن هذه الدينامية تأتي في وقت تعرف فيه منطقة الساحل والصحراء تحولات أمنية غير مسبوقة، نتيجة تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية، واتساع نفوذ شبكات الجريمة المنظمة، وتصاعد التنافس الدولي حول مناطق النفوذ، فضلاً عن انتشار الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة التي غيرت طبيعة الصراعات الإقليمية. وفي ظل هذا المشهد، يبرز المغرب كفاعل يمتلك رؤية أمنية متكاملة تقوم على المزج بين المقاربة الاستخباراتية، والقدرات العملياتية، والتعاون الدولي متعدد الأطراف.

ويعزز هذا الدور الموقع الخاص الذي تحظى به المملكة لدى الولايات المتحدة باعتبارها حليفاً رئيسياً من خارج حلف شمال الأطلسي، وهو وضع يتيح للمغرب الاستفادة من برامج متقدمة في مجالات التدريب العسكري، والتجهيز، ونقل الخبرات، وتبادل المعلومات ذات الحساسية العالية، بما يرفع من جاهزية مؤسساته الأمنية والعسكرية ويقوي قدرتها على العمل وفق المعايير العملياتية المعتمدة لدى الشركاء الغربيين.

كما يعكس هذا التقارب تحولاً في طبيعة العلاقات المغربية الأميركية، التي لم تعد تقتصر على التعاون التقليدي في مكافحة الإرهاب، بل أصبحت تشمل بناء منظومات مشتركة لإدارة المخاطر، وتعزيز الأمن السيبراني، وتأمين الفضاءات الحيوية، والاستعداد لمواجهة التهديدات المستقبلية التي تتطلب مستويات عالية من التنسيق الاستخباراتي والتكنولوجي.

ولا يمكن فصل هذه الدينامية عن المسار الذي انتهجه المغرب خلال السنوات الأخيرة لتحديث بنيته الأمنية، من خلال الاستثمار في الرقمنة، وتطوير آليات التحليل الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات الأمنية، فضلاً عن اعتماد مقاربة استباقية جعلت التجربة المغربية تحظى باهتمام متزايد لدى العديد من الشركاء الدوليين.

وفي هذا السياق، فإن الإشادة الأميركية تمثل، في جوهرها، اعترافاً بنجاح نموذج أمني يقوم على الاحترافية، والاستباق، والتكامل المؤسساتي، أكثر مما تعكس مجرد امتنان لتعاون ظرفي. فالدول الكبرى لا تمنح مواقع متقدمة داخل منظوماتها الأمنية إلا للشركاء الذين أثبتوا قدرتهم على إنتاج الأمن، وليس فقط استهلاكه.

وعلى المستوى الجيوسياسي، تكرس هذه التطورات مكانة المغرب كفاعل محوري في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها الضفة الجنوبية للمتوسط ومنطقة الساحل، حيث بات الأمن يشكل أحد أهم محددات النفوذ الدولي. ومن ثم، فإن تعزيز الشراكة الأمنية مع واشنطن لا يعكس فقط متانة العلاقات الثنائية، بل يؤشر أيضاً إلى انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة من الحضور الدولي، قوامها المساهمة في صياغة الاستقرار الإقليمي، والمشاركة في بناء منظومات الأمن الجماعي، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الدولي المعاصر.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الرهان الأميركي على الكفاءة الأمنية المغربية لم يعد مرتبطاً بإدارة التهديدات الآنية فحسب، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في شريك إقليمي يمتلك من الخبرة والقدرة المؤسسية ما يؤهله للمساهمة في حماية الأمن الدولي، وتأمين الفعاليات العالمية، وصناعة الاستقرار في محيط جيوسياسي يتسم بتزايد التعقيد وعدم اليقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com