في زمن باتت فيه المفاهيم تُختزل أحيانًا في عناوين سطحية، يعيدنا الحديث عن الطاعة والامتثال إلى جوهر العلاقة بين الفرد والدين، وبين الجماعة ومؤسساتها الشرعية. فالطاعة في الإسلام ليست مجرد استجابة ظرفية لأوامر عليا، بل هي مبدأ راسخ يقوم على فقه المراتب وتراتبية التكاليف، حيث تظل طاعة الله رأس الأمر، وتتفرّع عنها الطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم لولاة الأمور، كما نصّ القرآن الكريم في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ.” (سورة النساء: 59)
في السياق المغربي، لم تكن هذه القاعدة الدينية محلّ نقاش أو تجاذب، لأن المؤسسة الملكية، بصفتها إمارة للمؤمنين، قائمة على البيعة الشرعية التي تعقدها الأمة، وتربط بها الطاعة بالإيمان، والامتثال بالمسؤولية.
لقد كانت صورة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو يهمّ بذبح ابنه إسماعيل، حاضرة في وجدان المغاربة لعقود، لا فقط في لوحات جدارية تزين البيوت، بل في الذاكرة الجماعية التي تربط شعيرة الأضحية بمعاني الطاعة المطلقة لله، والثقة في حكمه، واليقين في رحمته. لكن هذه المعاني لا يمكن أن تُختزل في طقس موسمي، بقدر ما ينبغي أن تترسخ كعقيدة سلوكية تتجلى في احترام النظام العام، وتقديم المصلحة العامة، والامتثال لتوجيهات ولي الأمر حين يقدّر، بصفته الشرعية والدستورية، ما فيه خير الأمة ودفع الضرر عنها.
في مثل هذه المناسبات، يتجدد وعي المغاربة بمقاصد الشريعة، التي تضع فريضة الطاعة في مرتبة أعلى من السنن، وتجعل من الانضباط الجماعي بابًا من أبواب حفظ الدين والنفس والمجتمع. وهذا ما يفسر كيف ظل المجتمع المغربي، في كل محطة، مُقدِّرًا لحكمة أمير المؤمنين حين يُصدر توجيهًا في قضايا تعبّدية أو اجتماعية، يُراعي فيها ظرفية معيّنة، أو مصلحة راجحة، أو ضرورة قاهرة.
فلا تعارض بين طاعة الله وطاعة ولي أمر المسلمين، بل هي امتداد طبيعي لها، حينما يكون هذا الوليّ حاملًا للشرعية، ومسؤولًا أمام الله عن أمته. ومن هنا، فإن تجديد الطاعة لأمير المؤمنين، ليس فقط شعورًا وجدانيًا يُقال في المناسبات، بل هو سلوك مدني تعبّدي، تُبنى عليه وحدة الصف، وتُصان به الأمة من الفوضى والتأويلات الذاتية للدين.
حفظ الله المغرب وأهله، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار، في ظل القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وكل عام وأنتم بخير.