الإمارات بين الدور الإنساني والتوظيف الجيوسياسي: قراءة نقدية في خطاب “لوبينيون”

بوشعيب البازي

نشرت صحيفة “لوبينيون” الفرنسية مقالاً يميل إلى التمجيد الكبير بدور أجهزة المخابرات الإماراتية في قطاع غزة، مسلطة الضوء على ما تُسمى مساهماتها الإنسانية واللوجستية، من تقديم مساعدات طبية وغذائية، إلى برامج إعادة الإعمار، وصولاً إلى السيطرة المزعومة على تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي. كما يشيد المقال بالعلاقات المتينة التي تربط أبوظبي بكل من إسرائيل، وواشنطن، وباريس. هذا التصوير المثالي يثير تساؤلات كثيرة، خاصة في توقيت نشره، وسط تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لماذا في هذا الوقت بالذات؟

إذا كانت الإمارات مهتمة حقاً بالمساعدة الإنسانية، فهل كانت بحاجة إلى هذه الحملة الإعلامية المكثفة؟ ولماذا اختارت صحيفة “لوبينيون” التي تشتهر بتوجهاتها السياسية والاقتصادية المقربة من أجهزة المخابرات الفرنسية (DGSE) نشر هذا الخطاب الآن؟ فالصراع في غزة ليس وليد اللحظة، لكنه يشهد تحركات إعلامية ودبلوماسية تصاحب كل صورة لقافلة مساعدات أو خطاب محسوب. هذه الحملة تعكس رغبة واضحة في تشكيل تحالفات ونفوذ إقليمي جديد، في إطار تنافس جيوسياسي معقد.

الأبعاد الجيوسياسية: هل إعادة الإعمار نية أم غطاء؟

يُبرز المقال بوضوح الأسس الدبلوماسية التي تقوم عليها صعود الإمارات كقوة إقليمية، بدءًا من اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، مروراً بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وفرنسا، وانتهاءً بالدعم الأمني واللوجستي. لكن السؤال المحوري: هل إعادة إعمار غزة هي مجرد عمل إنساني نزيه، أم أنها جزء من لعبة كبرى لتوسيع دائرة النفوذ الإماراتي في الشرق الأوسط؟

المغرب في الصورة: استهداف هوية ومجتمع

الأكثر إثارة هو إشارة المقال إلى “تحريك” مجموعات إسلامية مغربية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتحديداً تحركات في ميناء طنجة. هذه الإشارة التي تبدو عابرة تحمل في طياتها رسالة سياسية غير مباشرة موجهة إلى الرباط، وتفتح باب التساؤل حول محاولة ربط الجهود الإنسانية بدوافع سياسية داخلية مغربية. هل هذا مجرد تفصيل بسيط أم إشارة إلى تدخلات وتأثيرات محتملة؟

خطر الإمارات على المغرب: نفوذ معقد وأهداف غامضة

التوسع الإماراتي تحت قيادة الشيخ طحنون بن زايد لا يقتصر على الدور الدبلوماسي والإنساني فقط، بل يكشف عن استراتيجية نفوذ عميقة تستهدف اختراق المشهد السياسي والاجتماعي المغربي. خلف صورة الدعم الإنساني، ثمة مظاهر لشراء ولاءات وتأثير على الرأي العام من خلال “الرحلات المجانية” والهدايا النقدية والتبرعات المشبوهة لمؤثرين مغاربة، مثل “الفيسبوكي الحر” الذي تلقى مليون درهم إماراتي، و”ولد العاصمة” الذي حصل على ثلاث عمرة، فضلاً عن ارتباط سعيد إبرنوص بمصالح إماراتية.

تحولات رقمية وهويات متداخلة

يشهد المشهد الرقمي المغربي تنامي أصوات مجتمعية موجهة، خصوصاً في ما يتعلق بالترويج للهوية الأمازيغية الرقمية وظهور حركة “تمغرابيت” على الإنترنت، إضافة إلى زيادة الوجود الأفريقي في الأوساط الحضرية. كل هذه الظواهر تطرح سؤالاً محورياً: من يقف وراء هذه التحركات؟ المؤشرات تشير إلى دور مباشر أو غير مباشر للإمارات التي قد تستغل هذه الفُرَقات الداخلية لإضعاف الوحدة الوطنية.

التقنيات الحديثة وأدوات السيطرة

تملك الإمارات قدرات متطورة في مجال الذكاء الاصطناعي، والمراقبة الإلكترونية، وأنظمة الأقمار الصناعية، ما يمنحها وسائل متقدمة للتجسس والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومنها المغرب. هذه الإمكانيات تؤكد أن النفوذ الإماراتي ليس مجرد دعم إنساني، بل يشكل تهديداً محتملاً للاستقرار والسيادة المغربية.

ضرورة اليقظة والحفاظ على السيادة

بينما باتت الإمارات لاعباً محورياً في الشرق الأوسط عبر دبلوماسية نشطة وقوة ناعمة واضحة، لا ينبغي للمغرب أن يغفل أن وراء هذه الواجهة الإنسانية، هناك أجندة جيوسياسية معقدة. ليس المطلوب رفض المساعدات أو التعاون، بل الحفاظ على سيادة القرار الوطني، وتعزيز الوعي والرقابة على أي تأثيرات خارجية قد تهدد وحدة المغرب واستقراره.

على الرباط أن تضاعف من جهودها في تأمين الفضاء الرقمي، وتقوية مؤسساتها، وتنقية المشهد الداخلي من أي محاولات استغلال أو اختراق، لضمان مستقبل مغربي متماسك ومستقل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com