الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي… من مشروع ملكي لإنصاف الفقراء إلى ماكينة تبذير تخدم صورة أخنوش
بوشعيب البازي
لقد تحوّلت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، التي أرادها الملك محمد السادس نموذجًا لمنحها صبغة إنسانية قوية قادرة على الوصول إلى الفئات الهشة، إلى مجرد مبنى فاخر تُديره مستشارة معروف دورها السياسي والتواصلي — وفاء جمالي. وبعد ما يقارب العام على انطلاقها، لا دعم يُذكر وصل فعليًا إلى العائلات الأكثر احتياجًا، بل تنامت بسرعة لافتة قائمة عقود فاخرة لا تُبرر أهداف المؤسسة.
أبرز الاختلالات المالية والتسييرية التي تم توثيقها حتى الآن:
- 1.5 مليون درهم لتجهيز مقر جديد في مدينة الجديدة، ورغم أن الهدف هو تقديم المساعدة الإنسانية، يبدو أن الفنادق أكثر حاجة لهذه الأموال من المحتاجين.
- 2 مليون درهم لكراء سيارات، دون احتساب المحروقات أو رواتب السائقين، وهي مصاريف ضخمة يصعب تبريرها في مؤسسة بقصد اجتماعي.
- 2.35 مليون درهم لمنظمة خاصة تتولى استضافة الموقع الإلكتروني، وهو مبلغ قد يُقال عنه مضاعف، خصوصًا أن منصات إلكترونية أسهل وأرخص متاحة الآن.
- 10.2 مليون درهم لاستضافة البنية الرقمية بالكامل لدى مزود خاص، وهو إنفاق يفوق ما تصرّف عليه مؤسسات كبرى مثل البنوك، مما يطرح سؤالًا واضحًا: هل هناك مضاربة في السعر أو شبه احتكار؟
- 1.5 مليون درهم لإنشاء حملات ترويجية للوكالة وحسن صورة رئيسها (عزيز أخنوش)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يضيف البعد السياسي إلى التسيير.
- 4.66 مليون درهم لشركة “انستيليو المغرب” بهدف “تحسين كفاءة المساعدات الاجتماعية”، وهو طبعًا ذات المهام التي يفترض أن تقوم بها الوكالة بنفسها — وقد يطرح ذلك تساؤلًا: هل هي وكأن الوكالة بحاجة إلى مستشار خارجي لتقوم بعملها الأساسية؟
- غياب الشفافية التامة: لا توجد تقارير مفصّلة أو قرارات واضحة للكشف عن كيفية تخصيص الدعم أو استقبال المستفيدين، لا بيانات تنشر المعايير المتّبعة في اختيار المستفيدين، ولا محاسبة علنية.
- لا أحد يعرف عدد الأسر التي استفادت ولو من بدلة واحدة أو قفة واحدة، ولا تقريبًا أي إحصاءات أو أخبار رسمية تذكر أسماء المشاريع أو الأرقام الحقيقية.
- غياب التنسيق المحلي: الجهات الجهوية أو الجمعيات المغربية في مناطق مختلفة لا تُستشار ولا تشارك في هذه العملية، مما يعكس توجهاً مركزيًا صارمًا هو “التديير المطلق” من الرباط دون إشراك مستقل.
- غياب تحكيم مهني مستقل: لا إحدى جمعيات حقوقية أو صحفية أو مهنية أجرت تقريرًا رسميًا أو تحقيقًا معمقًا حول إنجازات أو إخفاقات هذه الوكالة — ما يُثير الشك أكثر حول مدى شفافيتها.
في النهاية، ما بدا مشروعًا إصلاحيًا من القصر الطيب لم يخرج من إطار الكلام إلى الفعل، والأموال التي وُصفت بأنها للدعم المباشر قد وجّهت إلى تجهيزات حكومية، حملات تواصلية، منصات رقمية فاخرة، وخدمات لوجيستيكية، بينما الأهم — فهو التوزيع العيني للمحتاجين — غائب بداعي “سننتظر قليلاً”، أو “كل شيء في الطريق”.
بعبارة أخرى، هذه الوكالة وإدارتها منذ سنة يعكسان نموذجًا صارخًا للتبذير والتحويل السياسي، ولغياب الدولة الاجتماعية الحقيقيّة. والمواطن اليوم لا يسأل: أَلَمْ يُرسل له “الإخنوش” في 2026 إشعارًا باقترافه دورًا وطنيًّا؟، بل يتسائل ببساطة: أين أصبحت أموال الدعم المباشر؟، أين أطفال الأسر الهشة؟، واللّجان الشعبية؟.