عبد اللطيف حموشي… رجل الأمن الذي جعل من المغرب شريكاً استراتيجياً في معادلة الأمن العالمي
الرباط – بوشعيب البازي
لم يعد التكريم الذي حظي به المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، مجرد حدث بروتوكولي عابر في سجل العلاقات المغربية الإسبانية، بل أصبح بمثابة تتويجٍ لمسار استثنائي أعاد رسم صورة المغرب في مشهد الأمن الدولي. فحين يُقلَّد رجل أمن عربي وسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني الإسباني — وهو أعلى وسام أمني تمنحه مدريد للأجانب — فإن الرسالة أبعد من المجاملة الدبلوماسية: إنها اعتراف غربي واضح بدور المغرب كفاعل أمني مركزي في استقرار ضفتي المتوسط.
من رجل الظل إلى رمز الثقة الدولية
منذ توليه مسؤولية المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني سنة 2005، ثم الجمع بين قيادتها والمديرية العامة للأمن الوطني في 2015، نسج عبد اللطيف حموشي خيوط مدرسة أمنية جديدة، جعلت من الذكاء المعلوماتي والمهنية الاستباقية ركيزتين للعمل الأمني المغربي.

لم يعد الأمن المغربي مجرد جهاز مراقبة، بل أصبح منصة تنسيق دولي. فالمعطيات التي تقدمها الرباط حول شبكات الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة أصبحت مصدراً لا غنى عنه لشركاء المغرب الأوروبيين، من مدريد إلى باريس مروراً ببرلين وبروكسيل.
ويكفي أن نعود إلى تصريحات وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، خلال حفل التوشيح في مدريد، حين قال إن هذا الوسام هو “اعتراف بجهود عبد اللطيف حموشي في تحييد التهديدات المشتركة وتعزيز التعاون العملياتي بين المملكتين”.
كلمات تلخص تحوّل المغرب من بلد مراقَب إلى بلدٍ يُراقب من أجله.
أمن المغرب… أمن أوروبا
في زمن تتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الجريمة السيبرانية، برز المغرب بفضل رؤية حموشي كـ شريك استراتيجي موثوق.
فالعمليات المشتركة بين المديرية العامة للأمن الوطني والحرس المدني الإسباني ساهمت في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية ومنع هجمات محتملة على الأراضي الأوروبية.
هذا التعاون الأمني العميق هو ما جعل إسبانيا تعتبر المغرب “صمام أمان الجنوب الأوروبي”، وبدونه يصعب ضمان أمن القارة.
ولعل دلالة الوسام الإسباني لا تنفصل عن التحضير المشترك لاستضافة كأس العالم 2030، حيث سيكون البعد الأمني أحد أبرز رهانات النجاح. وهنا يظهر الدور الاستراتيجي للمغرب، ليس فقط في تأمين حدوده، بل في حماية فضاء متوسطي مشترك يتقاسم التحديات والمخاطر.
من التكريم الإسباني إلى التقدير الدولي
الوسام الإسباني ليس الأول من نوعه في مسار حموشي. فقد وشحته فرنسا ثلاث مرات، آخرها في يونيو 2025 بوسام جوقة الشرف من درجة ضابط، كما كرمه مجلس وزراء الداخلية العرب بوسام الأمير نايف للأمن العربي من الدرجة الأولى.
أما في المغرب، فقد أنعم عليه الملك محمد السادس بوسام العرش من درجة ضابط سنة 2011، بعد تفجيرات أركانة، في إشارة ملكية إلى تقدير الكفاءة والمسؤولية.
كل هذه التكريمات ترسم صورة مسؤول لا يكتفي بتدبير الملفات الأمنية، بل يصوغ تصوراً جديداً للأمن الحديث: أمنٌ يعتمد على الوقاية قبل التدخل، وعلى الذكاء المعلوماتي قبل القوة، وعلى التعاون الدولي قبل الخطابات.
مدرسة مغربية في الأمن
من خلال الرؤية التي يقودها عبد اللطيف حموشي، أصبحت المؤسسات الأمنية المغربية نموذجاً في الانفتاح والتحديث.
تم اعتماد منظومات رقمية متطورة لمراقبة الحدود، وتحديث أساليب التحري الجنائي، وتطوير الكفاءات عبر معاهد تدريب جديدة، جعلت من رجل الأمن المغربي مؤهلاً لمواجهة التحديات العابرة للحدود.
ولم يكن هذا التطور داخلياً فقط، بل جعل من المغرب مرجعاً تدريبياً لعدد من الدول الإفريقية والعربية، التي تستفيد اليوم من خبراته في محاربة الإرهاب والجريمة الإلكترونية.
رجل الدولة الهادئ
في المشهد العام، يُعرف عبد اللطيف حموشي بصمته أكثر من خطابه. لا يظهر كثيراً في وسائل الإعلام، لكنه حاضر بقوة في الكواليس التي تصنع أمن المنطقة.
يتعامل مع الأمن كـ مهمة وطنية بامتداد إنساني، حيث يُوازن بين الدفاع عن استقرار المغرب والمساهمة في حماية شركائه الدوليين من المخاطر نفسها.
ولهذا، حين تُوشحه مدريد اليوم بأرفع أوسمتها، فإنها في الواقع توشح المغرب كله، اعترافاً بدوره المتنامي في هندسة الأمن الإقليمي والعالمي.
فمن الرباط إلى مدريد وباريس، يتأكد أن عبد اللطيف حموشي ليس مجرد مسؤول أمني، بل جسر ثقة بين الأمم، ورمز لجهاز أمني نجح في أن يدمج بين الصرامة والكفاءة، بين الانضباط الوطني والانفتاح الدولي.