فوضى تمثيلية الصحفيين في المغرب… ومأزق بطاقة الصحافة بين تعدد النقابات وغياب الإصلاح
لا يزال مشهد الصحافة في المغرب يعيش حالة ارتباك مؤسسي مزمن، تتجلى أبرز مظاهره في الطريقة المعتمدة لمنح بطاقة الصحافة المهنية، وفي منظومة تمثيلية الصحفيين التي تتسم بتعدد النقابات وتضارب صلاحياتها. فبينما تراهن الدولة على تطوير قطاع يعتبر رافعة أساسية للديمقراطية وحرية التعبير، تبدو المنظومة التنظيمية الحالية عاجزة عن مواكبة التحولات، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى عائق فعلي أمام مهنيي الإعلام.
بطاقة الصحافة… مسار بطيء ومعايير غير واضحة
منح بطاقة الصحافة في المغرب ما يزال متأرجحاً بين المعايير القانونية والتأويل الإداري والانتماءات التنظيمية. فبدل أن تكون وثيقة مهنية موحدة تخضع لشروط دقيقة ومسار انتقائي واضح، تحولت إلى آلية مثقلة بالتعقيدات وبحضور مفرط لعدد من الهيئات المختلفة، ما يفتح الباب أمام التجاذبات والتقييمات المتباينة.
على النقيض من ذلك، تعتمد عدد من الدول الأوروبية نموذجاً أكثر احترافية وشفافية؛ إذ تمنح بطاقة الصحافة عبر لجنة وطنية وحيدة تجمع بين خبراء المهنة وممثلين عن المؤسسات، وتقوم باستدعاء كل مترشح للمثول أمامها. يُطرح عليه عدد من الأسئلة المهنية الدقيقة، ويخضع لتقييم موضوعي حول مدى أحقيته في البطاقة. وبعد قبول الطلب، تُوجه اللجنة الموافقة إلى وزارة الداخلية التي تتولى طبع بطاقة مهنية واحدة ومعتمدة على الصعيد الوطني، صالحة لمدة خمس سنوات.
هذا النموذج لا يمنح فقط وضوحاً في المعايير، بل يمكّن من ضبط المهنة وحماية مصداقيتها، بعيداً عن تعدد المسالك الإدارية أو تضارب الهيئات التي تتدخل ـــ بشكل مباشر أو غير مباشر ـــ في تحديد من هو الصحفي في المغرب.
تمثيلية مشتتة… والنقابات تتكلم بصوتين وثلاثة
إشكال التمثيلية ليس أقل تعقيداً من إشكال البطاقة. فالساحة المهنية بالمغرب تعج بعدد كبير من النقابات، كل واحدة منها تدّعي الدفاع عن الجسم الصحفي وتمثيله، بينما الواقع يكشف أن هذا التعدد لم يؤدِّ إلى تحسين أوضاع الصحفيين، بل زاد في تشتت كلمتهم وفقدانهم قوة التفاوض الجماعية.
في النماذج الأوروبية الناجحة، تُوجد نقابة مهنية واحدة تشكل المظلة الحقيقية للصحفيين. الانخراط فيها إلزامي لكل من يحمل بطاقة الصحافة، وتمتلك سلطة تفاوض وازنة تجعلها قادرة على تعطيل القطاع بكلمة واحدة، ما يمنحها قوة حقيقية في الدفاع عن حقوق المنخرطين.
هذه النقابة الموحدة تتكفل بتوفير محامٍ عند الحاجة، وتُدير خدمات اجتماعية ومهنية شاملة، بل وتتكلف حتى بتدبير الامتيازات المهنية، من بينها بطاقة القطار المخفّضة التي يحصل عليها جميع الصحفيين المنخرطين.
في المغرب، يؤدي تعدد النقابات إلى فقدان هذا الوزن. كل نقابة تتحدث بلغتها، وكل واحدة ترى نفسها ممثلاً «شرعياً»، فيما يعيش الصحفيون على أرض الواقع في وضع هشاشة مهنية وقانونية بسبب غياب مخاطب واحد وقوي.
زدواجية الأدوار… حين يتحول المدافع إلى قاضٍ
الأغرب في المشهد الإعلامي المغربي هو تلك الازدواجية الصارخة في الأدوار داخل المنظومة المهنية. فليس من المنطقي أن تجد في الوقت نفسه شخصاً يشغل عضوية نقابةٍ يفترض أنها تدافع عن حقوق الصحفيين، بينما يجلس في الجهة المقابلة عضواً في لجنة أخلاقيات المهنة المخوَّلة باتخاذ قرارات تأديبية ضدهم. هذا التداخل غير الصحي يجعل الصحفي يشعر بأنه أمام جهاز واحد بوجهين: وجه يدّعي الحماية، وآخر يملك سلطة العقاب.
في النماذج الدولية المتقدمة، يتم الفصل الصارم بين من يدافع عن الصحفيين ومن يحاسبهم، منعاً لأي تضارب مصالح. أما في المغرب، فبدل أن يكون النقابي سنداً للصحفي أمام أي مساءلة، قد يجد نفسه ـفي موقع الحكم، وهو ما يفقد النقابة جزءاً من مصداقيتها ويحول لجنة الأخلاقيات إلى فضاء تتداخل فيه الأدوار والولاءات بشكل يضرّ بالمهنة أكثر مما يحميها.
قطاع فشل في التنظيم… وإصلاحات لم تجد آذاناً صاغية
القطاع، في صيغته الحالية، يعلن عن فشل هيكلي في التنظيم والتسيير. فالتعدد النقابي، غياب المعايير الواضحة لمنح البطاقة، تداخل السلطات داخل المجلس الوطني للصحافة، وغياب رؤية موحدة للدفاع عن المهنة… كلها عوامل تجعل قطاع الصحافة بعيداً عن الطموح الذي يرفعه المغرب في مجالات الحكامة والشفافية والديمقراطية.
والأدهى أن أصواتاً من داخل المهنة ـــ من بينهم فاعلون اشتغلوا لسنوات على إعداد تصورات إصلاحية واضحة وبرنامج شامل يليق بـ«مغرب الغد» ـــ حاولت الدفع في اتجاه تغيير جذري وبناء نموذج قريب من التجارب الأوروبية الناجحة. إلا أن كل هذه المقترحات لم تجد، حسب تعبير كثيرين، «آذاناً صاغية» لدى الجهات المعنية. بقيت التقارير في الأدراج، وبقي القطاع على حاله.
هل يتجه المغرب نحو إصلاح جرئ؟
الإصلاح الضروري اليوم ليس مسألة اختيار، بل شرط أساسي لإعادة الاعتبار للمهنة. المغرب بحاجة إلى:
- لجنة وطنية واحدة لمنح بطاقة الصحافة، بمعايير صارمة وواضحة.
- بطاقة مهنية موحدة صالحة لخمس سنوات، تُمنح بعد تقييم فعلي.
- نقابة واحدة قوية تجمع الصحفيين وتمثلهم دون تجزيء أو تنافس غير مهني.
- رؤية حكومية تنصت للفاعلين الحقيقيين في القطاع وتُشركهم في الإصلاح.
بغياب هذه العناصر، سيستمر القطاع في الدوران داخل الحلقة ذاتها، وسيبقى الصحفي المغربي دون حماية حقيقية أو تمثيلية فعالة… في وقت تحتاج فيه البلاد إلى صحافة قوية ومهنية، قادرة على حمل صوت المجتمع ومواكبة مشروع الدولة الحديثة.