دخلت إيران المواجهة مع الولايات المتحدة و**إسرائيل** مرحلة غير مسبوقة، مع إعلانها إغلاق مضيق هرمز، في خطوة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى توظيف النفط كسلاح جيوسياسي صريح. فالمضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومتراً، ليس مجرد ممر مائي استراتيجي، بل شريان حيوي يعبر منه نحو خمس الإمدادات النفطية اليومية في العالم، وعنق زجاجة تتقاطع عنده مصالح كبار المنتجين والمستهلكين.
بإعلانها التهديد باستهداف أي سفينة تحاول العبور، نقلت طهران المواجهة من منطق الرد العسكري المحدود إلى منطق الضغط الاقتصادي العالمي، واضعة أسواق الطاقة في قلب الصراع. فالنفط، في هذا السياق، لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أداة ردع غير تقليدية قادرة على إرباك الاقتصادات الكبرى وفرض كلفة سياسية تتجاوز ساحة المواجهة المباشرة.
إدراك إيراني لاختلال ميزان القوة
يعكس هذا التحول فهماً إيرانياً دقيقاً لطبيعة ميزان القوة. ففي مقابل التفوق العسكري والتقني الواضح لواشنطن وحلفائها، تراهن طهران على أوراق ضغط غير متماثلة. التهديد بإغلاق المضيق – أو حتى التلويح الجدي به – كفيل بإشعال الأسعار فوراً، لأن الأسواق لا تتفاعل فقط مع الوقائع، بل مع المخاطر المحتملة. هنا تظهر ما يُعرف بـ“علاوة المخاطر”، حيث تصبح الجغرافيا نفسها عاملاً مضارباً في أسواق الطاقة.
وجاء هذا القرار في أعقاب ضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت بنية النظام الإيراني في 28 فبراير، في تصعيد نوعي دفع طهران أولاً إلى الرد الصاروخي على أهداف في الخليج، قبل أن تنتقل إلى خطوة أكثر تأثيراً: تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية.
من ساحة القتال إلى سوق الطاقة
بهذا التحول، لم تعد المواجهة مقتصرة على تبادل الضربات، بل تحولت إلى معركة على إمدادات النفط. كل ناقلة تنتظر الإذن بالعبور أصبحت جزءاً من حسابات الردع، وكل برميل خام تحوّل إلى ورقة تفاوض غير مباشرة. فالخطر لا يكمن فقط في انقطاع فعلي للإمدادات، بل في حالة القلق التي تصيب الأسواق عندما يصبح ممر استراتيجي بهذا الحجم مهدداً.
وتزداد خطورة المعادلة لأن تداعياتها لا تبقى محصورة في الخليج. فمرور نحو 20 في المئة من النفط العالمي عبر ممر واحد يجعل أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على شاشات التداول في نيويورك ولندن وسنغافورة. ومع تزامن هذه الأزمة مع اضطرابات سابقة في البحر الأحمر وخليج عدن منذ 2023، تتضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد، ويصبح السوق أكثر حساسية لأي إشارات تصعيد إضافية.
حسابات معقدة لجميع الأطراف
تدرك طهران أن موقعها في المعادلة النفطية مزدوج. فهي دولة منتجة ومصدّرة، لكنها في الوقت نفسه تخضع لعقوبات وتواجه استهدافاً مباشراً لمنشآتها. بإغلاق المضيق، تضغط على خصومها، لكنها في الوقت نفسه تضع شركاءها التجاريين في موقف حرج. فالسعودية والإمارات والعراق تعتمد بشكل أساسي على هذا الممر لتصدير نفطها، وأي تعطيل طويل الأمد سيخلق فجوة في الإمدادات يصعب تعويضها سريعاً.
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أدوات للتخفيف من الصدمة، أبرزها السحب من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، والتنسيق مع دول وكالة الطاقة الدولية للإفراج عن مخزونات طارئة، إضافة إلى الضغط على منتجين كبار لزيادة الإنتاج. غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى محدودة إذا كان الإغلاق كاملاً وممتداً زمنياً، إذ تتحول إلى حلول مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة: تعطيل شريان رئيسي في نظام الطاقة العالمي.
مخاطرة محسوبة أم تصعيد مفتوح؟
رهان طهران الأساسي يتمثل في أن كلفة الصدمة ستكون موزعة دولياً، وأن القوى الكبرى ستسعى سريعاً لاحتواء التصعيد خشية الانزلاق إلى أزمة طاقة عالمية. غير أن هذه الاستراتيجية ليست بلا مخاطر. فتعطيل الملاحة قد يستفز تحالفاً دولياً لحماية الممرات البحرية، ويؤدي إلى مزيد من العزلة أو التصعيد العسكري. كما أن ارتفاع الأسعار، وإن أفاد بعض المنتجين مؤقتاً، قد يضر بالطلب العالمي إذا طال أمده، ما ينعكس سلباً على الجميع.
ما فعلته إيران هو نقل المواجهة إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي، مستخدمة النفط كلغة سياسية وأداة ضغط استراتيجية. لم تعد المعركة تدور فقط في الأجواء أو على الأرض، بل في الأسواق وشبكات الإمداد. وبين ناقلات تنتظر الإشارة الخضراء وصواريخ تعبر السماء، يجد العالم نفسه أمام معادلة جديدة: استقرار الطاقة لم يعد مسألة تجارية بحتة، بل رهناً بتوازنات سياسية وعسكرية شديدة الهشاشة. وفي هذا السياق، فإن قدرة واشنطن وحلفائها على تهدئة الأسواق لن تعتمد فقط على المخزونات والأدوات الاقتصادية، بل على إعادة الاستقرار إلى أحد أخطر الممرات المائية في العالم، ومنع تحول النفط إلى سلاح دائم في صراع مفتوح.