زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر تثير جدلاً واسعاً بين الدبلوماسية وحساسية الهوية

بوشعيب البازي

في مشهد أثار نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والشعبية، استيقظت الجزائر على وقع زيارة بابا الفاتيكان، وهي زيارة كان يُفترض أن تُقرأ في إطار العلاقات الدبلوماسية والحوار بين الأديان، غير أنها سرعان ما تحولت إلى مادة سجالية بسبب التصريحات الرسمية التي رافقتها، وما حملته من رمزية أثارت تحفظات شريحة واسعة من الرأي العام.

فقد اعتبر كثيرون أن اللغة التي استُخدمت في استقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية تجاوزت حدود المجاملة البروتوكولية، خاصة في بلد يُعرّف نفسه دستوريًا بانتمائه العربي الإسلامي، ويُنظر فيه إلى المرجعية الدينية باعتبارها أحد أعمدة الهوية الوطنية. هذا التباين بين مقتضيات الدبلوماسية وحساسية المجتمع أعاد إلى الواجهة سؤال التوازن بين الانفتاح الخارجي واحترام الخصوصية الداخلية.

ويرى متابعون أن الإشكال لم يكن في الزيارة بحد ذاتها، بل في طريقة تسويقها سياسيًا وإعلاميًا، إذ بدا وكأن السلطة تسعى إلى استثمار الحدث لتحسين صورتها دوليًا، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، من بطالة متصاعدة إلى تراجع القدرة الشرائية واحتقان سياسي مستمر.

وفي خضم هذه الأجواء، تزامنت الزيارة مع أحداث أمنية شهدتها بعض المناطق، ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة بشأن الرسائل السياسية والأمنية الكامنة خلف هذا التوقيت. وبين من ربطها بصراعات مراكز النفوذ داخل النظام، ومن قرأها كتعبير عن غضب اجتماعي متزايد، يبقى المؤكد أن المناخ الداخلي لا يزال هشًا وقابلًا للاهتزاز عند كل محطة حساسة.

ويرى محللون أن السلطة الجزائرية تحاول منذ سنوات كسر عزلتها الخارجية عبر بوابات رمزية ودبلوماسية، غير أن هذه المقاربة تبقى محدودة الأثر إذا لم تُرفق بإصلاحات حقيقية تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. فالشرعية السياسية لا تُصنع عبر المناسبات الدولية، بل عبر مؤسسات قوية، وعدالة اجتماعية، واحترام إرادة المواطنين.

إن الجدل الذي رافق زيارة بابا الفاتيكان يكشف مرة أخرى عمق الفجوة بين السلطة والشارع، ويؤكد أن أي خطوة خارجية، مهما كانت طبيعتها، ستظل محل مساءلة داخلية ما دامت الملفات الأساسية للمواطن الجزائري دون حل. فالدبلوماسية الناجحة تبدأ من الداخل، من الاستقرار السياسي والاقتصادي، لا من الصور الرسمية والاحتفالات العابرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com