الصحراء المغربية في قلب الأمن الأطلسي: كيف أعادت تصريحات تيد كروز فتح ملف البوليساريو داخل واشنطن؟

بوشعيب البازي

Screenshot

في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات الإقليمية، وبتنامي استخدام الفاعلين غير الدولتيين كأذرع جيوسياسية للقوى المراجِعة للنظام الدولي، جاءت تصريحات السيناتور الأمريكي تيد كروز داخل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ لتمنح ملف الصحراء المغربية بعدًا جديدًا يتجاوز الإطار التقليدي للنزاع، وينقله إلى مجال الأمن القومي الأمريكي ومكافحة الإرهاب العابر للحدود.

فخلال جلسة الاستماع المنعقدة يوم 21 أبريل 2026 حول مكافحة الإرهاب في أفريقيا، وجّه كروز اتهامات مباشرة لجبهة البوليساريو، معتبرًا أنها تنسج روابط متزايدة مع النظام الإيراني، وتسير نحو التحول إلى نسخة مشابهة لميليشيا الحوثي، ولكن هذه المرة في غرب أفريقيا. ولم يكن لافتًا مضمون التصريح فقط، بل أيضًا صدوره من أحد أبرز الأصوات الجمهورية المؤثرة في الملفات الاستراتيجية والدفاعية داخل الكونغرس الأمريكي.

من نزاع إقليمي إلى تهديد أمني عابر للحدود

لسنوات طويلة، جرى التعامل مع قضية الصحراء ضمن مقاربة أممية تقليدية ترتكز على مفاهيم تقرير المصير والتسوية السياسية. غير أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة بعد تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وأفريقيا، دفعت عدداً متزايداً من صناع القرار الغربيين إلى إعادة تقييم بعض النزاعات المجمدة من زاوية المخاطر الأمنية.

تصريحات كروز تعكس هذا التحول بوضوح. فحين يُربط اسم البوليساريو بالطائرات المسيّرة الإيرانية، وشبكات تهريب السلاح، والتعاون مع جماعات متشددة، فإن النقاش لم يعد مرتبطًا بحدود جغرافية أو بميراث الحرب الباردة، بل أصبح متعلقًا بإمكانية تشكل بؤرة عدم استقرار جديدة على تخوم الساحل والصحراء، وهي المنطقة التي تُعد اليوم إحدى أخطر المساحات الأمنية في العالم.

إيران واستراتيجية الوكلاء

تعتمد طهران منذ عقود على نموذج “الحرب بالوكالة”، من خلال دعم جماعات مسلحة محلية تمنحها قدرة على التأثير بأقل تكلفة مباشرة. من لبنان إلى اليمن، ومن العراق إلى سوريا، أثبت هذا النموذج فعاليته في إرباك خصومها وتوسيع نفوذها.

إذا صحّت المعطيات التي أشار إليها السيناتور الأمريكي، فإن محاولة اختراق فضاء شمال أفريقيا عبر البوليساريو تمثل امتدادًا منطقيًا لهذه الاستراتيجية. فالموقع الجغرافي للمنطقة، والقرب من أوروبا، والهشاشة الأمنية في الساحل، كلها عناصر تجعل من غرب أفريقيا ساحة مغرية لتوسيع نفوذ طهران أو على الأقل لإزعاج المصالح الغربية.

المغرب: شريك استراتيجي أم خط دفاع أول؟

في المقابل، يبرز المغرب في الحسابات الأمريكية والأوروبية باعتباره أحد أكثر الفاعلين الإقليميين استقرارًا ونجاعة في ملفات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وضبط الحدود، والتعاون العسكري متعدد الأطراف.

ومن هنا، فإن أي تهديد يستهدف الوحدة الترابية للمملكة أو يزعزع استقرار أقاليمها الجنوبية، لا يُقرأ فقط كخلاف سياسي محلي، بل كمساس مباشر بمنظومة الأمن الإقليمي الممتدة من مضيق جبل طارق إلى الساحل الأفريقي.

هذا ما يفسر تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، باعتبارها حلاً واقعيًا وعمليًا، لكنه أيضًا ما يفسر ارتفاع الأصوات داخل واشنطن المطالبة بالتشدد تجاه الأطراف التي تستثمر في الفوضى والانفصال.

واشنطن أمام اختبار الوضوح

التصريحات الصادرة عن جلسة مجلس الشيوخ تضع الإدارة الأمريكية أمام سؤال استراتيجي واضح: هل ستظل قضية البوليساريو تُدار بآليات دبلوماسية تقليدية، أم سيتم التعامل معها ضمن منظومة مكافحة الإرهاب والتهديدات غير النظامية؟

إذا اتجهت واشنطن نحو الخيار الثاني، فإن ذلك قد يفضي إلى مراجعات عميقة في تصنيف الجبهة، وفي طبيعة العلاقة الأمريكية مع الأطراف الداعمة لها، وفي مستقبل المقاربة الأممية ذاتها.

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف حدودي أو نزاع مؤجل على طاولة الأمم المتحدة. العالم يتغير، ومعه تتغير طريقة قراءة الأزمات. وما قاله تيد كروز لا يمكن اعتباره مجرد موقف سياسي عابر، بل مؤشر على أن جزءًا من المؤسسة الأمريكية بدأ ينظر إلى البوليساريو باعتبارها احتمالًا أمنيًا لا مجرد طرف تفاوضي.

وفي زمن تتقدم فيه اعتبارات الأمن على حساب الشعارات القديمة، تبدو الرباط أكثر من أي وقت مضى في موقع الدولة التي لم تكن تدافع فقط عن وحدتها الترابية، بل عن توازن استراتيجي إقليمي يتجاوز حدودها بكثير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com