في تاريخ الدول، تأتي لحظات دقيقة يصبح فيها القرار السياسي الشجاع أكثر أهمية من أي حسابات ظرفية ضيقة. والمغرب، وهو يواصل تثبيت موقعه الإقليمي والدولي كفاعل مستقر وموثوق، يجد نفسه اليوم أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة عنوانها المصالحة الداخلية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه الفرصة تبدأ بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف، وفي مقدمتهم ناصر الزفزافي، إلى جانب النقيب محمد زيان، الذي يثير وضعه الصحي والإنساني قلقاً متزايداً.
صورة المغرب الخارجية تبدأ من الداخل
خلال السنوات الأخيرة، حقق المغرب مكاسب دبلوماسية مهمة، سواء في ملف الصحراء المغربية أو في شراكاته الاقتصادية والأمنية مع قوى دولية كبرى. غير أن قوة الدولة في الخارج تبقى مرتبطة أيضاً بقدرتها على تدبير ملفاتها الداخلية بحكمة وبعد نظر.
إن استمرار ملفات ذات طابع سياسي وحقوقي مفتوحة لسنوات، يطرح تساؤلات لدى المتابعين الدوليين، بينما يمكن لقرار إنساني وسياسي مدروس أن يعزز صورة المغرب كدولة واثقة من مؤسساتها، قادرة على تجاوز التوترات عبر الحوار والانفراج.
حراك الريف… من الاحتجاج الاجتماعي إلى مطلب المصالحة
اندلع حراك الريف سنة 2016 في سياق اجتماعي وتنموي واضح، مرتبط بمطالب الشغل، الصحة، التعليم، وفك العزلة عن المنطقة. ومع مرور الوقت، تحولت القضية إلى ملف وطني يتجاوز حدوده الجغرافية، ويطرح سؤال العلاقة بين الدولة والاحتجاج الاجتماعي.
واليوم، وبعد سنوات من الاعتقالات والأحكام، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة جديدة، أساسها طي هذا الملف بما يخدم الاستقرار الوطني ويعيد الأمل إلى الأسر المعنية.
ناصر الزفزافي… الاسم الأكثر رمزية
يبقى ناصر الزفزافي أبرز الأسماء المرتبطة بحراك الريف، بحكم رمزيته وحضوره الشعبي والإعلامي. وقد تحول من قائد ميداني للاحتجاجات إلى عنوان لملف حقوقي وسياسي مستمر.
إن إطلاق سراحه لن يُفهم كتراجع للدولة، بل كخطوة سيادية نابعة من الثقة، ورسالة مفادها أن المغرب قادر على استيعاب الاختلاف، وعلى التمييز بين المطالب الاجتماعية المشروعة وأي تهديد فعلي للاستقرار.
أسماء أخرى تنتظر طي هذا الملف
إلى جانب الزفزافي، هناك عدد من معتقلي الحراك الذين تكررت المطالب الحقوقية بشأنهم، من بينهم:
- نبيل أحمجيق
- سمير إغيد
- وسيم البوستاتي
- محمد جلول
- عبد الحق البقالي
- عدد آخر من المعتقلين المرتبطين بملف الحراك.
إن إنهاء معاناة هؤلاء وعائلاتهم سيكون خطوة نحو التهدئة واستعادة الثقة.
محمد زيان… البعد الإنساني أولاً
قضية النقيب محمد زيان تختلف من حيث السياق، لكنها تلتقي مع ملف معتقلي الريف في جوهر واحد: الحاجة إلى مقاربة إنسانية وسياسية متوازنة.
الرجل، بحكم سنه المتقدم ووضعه الصحي، أصبح ملفه يتجاوز النقاش القانوني نحو سؤال أخلاقي وإنساني. وإذا استمر وضعه داخل السجن في ظل التقدم في العمر وتداعيات المرض، فإن ذلك سيترك أثراً سلبياً في الذاكرة الوطنية.
إن إطلاق سراحه اليوم سيكون دليلاً على أن الدولة لا تكتفي بتطبيق القانون، بل تراعي أيضاً القيم الإنسانية التي تسمو فوق الخلافات.
لماذا الآن بالذات؟
اللحظة الحالية تبدو الأنسب لاتخاذ قرار من هذا النوع لعدة أسباب:
- حاجة البلاد إلى مناخ داخلي أكثر هدوءاً.
- تعزيز التماسك الوطني في ظل التحديات الإقليمية.
- تحسين صورة المغرب الحقوقية دولياً.
- طي ملفات استنزفت الجميع لسنوات.
- فتح مرحلة جديدة من الثقة والإصلاح.
القرار الذي يكبر به الوطن
الدول القوية لا تخشى المصالحة، بل تعتبرها أحد مظاهر النضج السياسي. والمغرب، بما راكمه من تجربة مؤسساتية وتاريخية، قادر اليوم على اتخاذ قرار كبير ينسجم مع طموحه كقوة إقليمية صاعدة.
إن إطلاق سراح ناصر الزفزافي ورفاقه، والإفراج عن محمد زيان قبل فوات الأوان، سيكون أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ سيكون رسالة وطنية تقول إن المغرب يختار المستقبل، ويؤمن بأن الوحدة الوطنية تُبنى بالعدالة، والكرامة، والانفتاح.