حين يتحول “الخبير” إلى صانع ضجيج: قراءة في خطاب التطاول على مغاربة العالم

بوشعيب البازي

Screenshot

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية سوقاً مفتوحاً للانتباه، لم يعد النجاح يُقاس دائماً بجودة الفكرة أو قيمة المحتوى، بل بعدد المشاهدات، ومعدل التفاعل، وحجم الجدل المصطنع. ومن هذا الباب تحديداً، خرجت في الآونة الأخيرة تصريحات منسوبة إلى الدكتور محمد الفايد، تضمنت أوصافاً مسيئة لمغاربة العالم، ونعوتاً من قبيل “المنافقين”، فقط لأنهم يوفقون بين انتمائهم الديني وهويتهم المدنية في بلدان الإقامة. وهي تصريحات تطرح أسئلة أعمق من مجرد زلة لسان، لأنها تعكس أزمة خطاب أكثر مما تعكس موقفاً فكرياً.

مغاربة العالم: رافعة وطنية لا مادة للتنمر

مغاربة العالم ليسوا فئة هامشية حتى تُستهدف بخطاب التبخيس أو التهكم. إنهم امتداد استراتيجي للمغرب في الخارج، وقوة اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة. تحويلاتهم المالية تساهم سنوياً في دعم الاقتصاد الوطني، واستثماراتهم تخلق فرصاً وتربط الداخل بالخارج، كما أن حضورهم في الجامعات والمؤسسات الأوروبية والأمريكية يشكل رصيداً رمزياً ودبلوماسياً لا يُستهان به.

والأهم من ذلك، أنهم نجحوا في نموذج معقد وصعب: الحفاظ على الهوية المغربية الإسلامية، مع الاندماج الإيجابي داخل مجتمعات ديمقراطية حديثة. وهذا ليس نفاقاً، بل ذكاء حضاري وقدرة على التعايش. أن يكون المغربي مسلماً ملتزماً، ويحترم في الآن نفسه قوانين بلجيكا أو فرنسا أو كندا، فذلك دليل نضج وليس ازدواجية.

صناعة الاستفزاز: حين يصبح السب مشروعاً اقتصادياً

المشكل الحقيقي لا يكمن في الرأي، بل في تحويل الإهانة إلى وسيلة تسويق. لقد صار بعض صناع المحتوى، ممن لم يحققوا أثراً علمياً أو مهنياً يذكر خارج الفضاء الافتراضي، يلجؤون إلى وصفات سهلة: مهاجمة فئة واسعة، استفزاز جمهور حساس، إطلاق أحكام مطلقة، ثم انتظار ارتفاع نسب المشاهدة والإعلانات.

إنها معادلة معروفة في اقتصاد المنصات: كلما ارتفع منسوب الصدمة، ارتفع العائد. وحين يغيب الإنجاز الواقعي، يصبح الضجيج بديلاً عن القيمة. لذلك نرى بين الفينة والأخرى من ينتقل من الحديث عن “فوائد الخضر والفواكه” إلى إصدار فتاوى اجتماعية وسياسية وأخلاقية، وكأن المجال العمومي بلا ضوابط ولا معايير.

منطق الوصاية على الناس

الخطير في هذا الخطاب أنه يفترض امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم يمنح صاحبه حق تصنيف الناس بين مؤمن ومنافق، صالح وفاسد، أصيل ومنحرف. وهذه الذهنية ليست فقط متجاوزة، بل تتعارض مع روح العصر ومع أبسط مبادئ الدولة الحديثة، حيث حرية المعتقد والاختيار الشخصي وكرامة الأفراد حقوق لا تقبل المزايدة.

من قال إن التمسك بقيم دينية مع احترام ثقافة بلد الإقامة تناقض؟ ومن نصب نفسه حكماً على ضمائر ملايين المغاربة في الخارج؟ إن المجتمعات المعاصرة تُبنى على التعدد، لا على التنميط، وعلى الاحترام، لا على التخوين.

مغاربة العالم… مدرسة نجاح لا تستحق الإهانة

يكفي النظر إلى قصص النجاح المغربية في أوروبا وأمريكا الشمالية: أطباء، مهندسون، أساتذة جامعات، رجال أعمال، منتخبون سياسيون، فنانون ورياضيون. هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بالنفاق، بل بالاجتهاد والانضباط والقدرة على التوفيق بين الجذور والانفتاح.

بل إن عدداً كبيراً منهم يربي أبناءه على اللغة العربية والدارجة، ويزور المغرب باستمرار، ويستثمر فيه، ويدافع عن قضاياه الوطنية. فكيف يتحول هذا الارتباط النبيل إلى تهمة في خطاب بعض الباحثين عن الإثارة؟

الحاجة إلى خطاب مسؤول

المغرب اليوم في حاجة إلى نخب تبني الجسور مع جاليته في الخارج، لا إلى أصوات تهدم الثقة وتزرع الاحتقار. كما أن المجال الرقمي يحتاج إلى مساءلة أخلاقية حقيقية: هل نكافئ المحتوى الهادف أم نمنح الشهرة لمن يرفع منسوب الإساءة؟

لقد آن الأوان لفهم أن الشتيمة ليست شجاعة، وأن الاستفزاز ليس فكراً، وأن “الترند” لا يصنع مكانة علمية ولا احتراماً مجتمعياً.

حين يفشل البعض في ترك أثر حقيقي في مجاله، يبحث عن ضوء سريع عبر مهاجمة الآخرين. ومغاربة العالم، بما يمثلونه من نجاح ورصيد وطني، أكبر من أن تنال منهم تصريحات عابرة أو خطابات انفعالية. فهم ليسوا منافقين، بل نموذج حي لمغربي استطاع أن يكون وفياً لأصوله، ومنفتحاً على العالم في آن واحد. وذلك، في حد ذاته، نجاح لم يدركه كثيرون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com