إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب: بين إكراهات الاستدامة ورهانات التوازن الاجتماعي

بوشعيب البازي

في سياق اقتصادي دولي متقلب، وتحت ضغط تحولات ديموغرافية عميقة، تعود الحكومة المغربية إلى واجهة الإصلاحات الهيكلية عبر ملف شديد الحساسية: أنظمة التقاعد. فالمشاورات الجارية بين السلطة التنفيذية والمركزيات النقابية لا تعكس فقط خلافا تقنيا حول معايير الإصلاح، بل تكشف عن مفترق طرق جيوستراتيجي يهم مستقبل الدولة الاجتماعية في المغرب.

إصلاح مؤجل بتكلفة متصاعدة

يشكل تأخر إصلاح صناديق التقاعد أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه المالية العمومية. فمع ارتفاع متوسط العمر وتراجع نسبة النشطين مقارنة بالمتقاعدين، تتزايد الضغوط على التوازنات الاكتوارية للصناديق. وفي هذا الإطار، حذر رئيس الحكومة عزيز أخنوش من أن كلفة الإصلاح ستتضاعف كلما تم تأجيله، في إشارة واضحة إلى ضرورة الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى مقاربة استباقية قائمة على الاستدامة المالية.

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته التقنية، يصطدم بمخاوف اجتماعية مشروعة، خاصة فيما يتعلق برفع سن التقاعد أو تعديل نسب الاقتطاع. إذ ترى النقابات، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل، أن بعض الصناديق لا تعاني عجزا وشيكا، مستندة إلى تقديرات تشير إلى استقرار النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد إلى حدود سنة 2050.

توازنات دقيقة بين الدولة والشركاء الاجتماعيين

تجري هذه المفاوضات في ظل دينامية حوار اجتماعي أعادت الحكومة إحياءها منذ اتفاق أبريل 2022، الذي شكل، بحسب الرواية الرسمية، نقطة تحول في تحسين أوضاع الشغيلة. غير أن القراءة النقابية تختلف، حيث تعتبر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن مخرجات الحوار لا تزال دون مستوى الانتظارات، خاصة في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.

هذا التباين يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النموذج الاجتماعي المغربي، الذي يسعى إلى التوفيق بين متطلبات التنافسية الاقتصادية وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. فالإصلاحات المقترحة لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يتسم بتحديات متعددة، من تداعيات الجفاف إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، مرورا بتقلبات أسعار الطاقة.

البعد الجيوستراتيجي للإصلاح

بعيدا عن النقاشات التقنية، يكتسي إصلاح التقاعد بعدا جيوستراتيجيا يرتبط بقدرة المغرب على تعزيز استقراره الداخلي وجاذبيته الاقتصادية. فنجاح هذا الورش من شأنه أن يعزز ثقة المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، في وقت يسعى فيه المغرب إلى ترسيخ موقعه كقطب إقليمي في إفريقيا.

كما أن هذا الإصلاح يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة هيكلة الدولة الاجتماعية، التي تشمل تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الصحي. وفي هذا السياق، تشير المعطيات الحكومية إلى ارتفاع عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض إلى أكثر من 23 مليون شخص، وهو ما يعكس تحولا نوعيا في السياسات العمومية.

رهان التوافق بدل فرض الأمر الواقع

يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو بناء توافق سياسي واجتماعي حول هذا الإصلاح، بما يضمن توزيعا عادلا للأعباء. فالتجارب المقارنة تظهر أن إصلاح أنظمة التقاعد لا ينجح إلا حين يكون ثمرة حوار حقيقي يوازن بين ضرورات الاستدامة ومقتضيات العدالة.

وفي ظل هذا السياق، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ملامح هذا الورش، خاصة مع استمرار المشاورات داخل اللجنة التقنية، وتزايد الضغوط الاجتماعية. فإما أن ينجح المغرب في تحويل هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء عقد اجتماعي أكثر توازنا، أو أن يتحول الملف إلى مصدر توتر قد ينعكس على الاستقرار العام.

هذا ولا يتعلق الأمر فقط بإصلاح تقني لصناديق التقاعد، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في لحظة مفصلية من تاريخ التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com