بين الخصوصية والانفتاح: الجالية الريفية في أوروبا وإعادة تشكيل خطابها النضالي في عيد العمال

بوشعيب البازي

في قلب فضاء عمومي ببروكسل، تعكس الصورة مشهدًا مدنيًا هادئًا لكنه غني بالدلالات، حيث اجتمع عدد من أفراد الجالية المغاربية، ضمنهم نشطاء من أصول ريفية، في إطار تفاعلهم مع مناسبة عيد العمال، وهي محطة سنوية ذات رمزية كونية تتجاوز الحدود الوطنية نحو أفق اجتماعي وإنساني أوسع.

تُظهر الوقفة حضورًا متنوعًا يجمع بين النقاش المباشر، توزيع منشورات، وعرض ملصقات تحمل مطالب حقوقية، من بينها الدعوة إلى إطلاق سراح معتقلين على خلفيات سياسية أو اجتماعية. كما يبدو أن بعض المشاركين اختاروا اعتماد خطاب متعدد المستويات، يجمع بين القضايا المحلية المرتبطة بالمغرب، وقضايا دولية أوسع، مثل الدعوة إلى السلم ورفض الحروب، وهو ما يعكس وعيًا متناميًا لدى فئات من الجالية بأهمية الربط بين النضالات.

في هذا السياق، يمكن قراءة مشاركة بعض التنظيمات، بما فيها التجمعات ذات الخلفية الريفية، في احتفالات فاتح ماي، كجزء من دينامية اندماج مدني داخل المجتمعات الأوروبية، حيث تشكل هذه المناسبة فضاءً للتعبير عن التضامن مع قضايا العمال، والدفاع عن الحقوق الاجتماعية، وتبادل الخبرات النضالية بين مختلف المكونات.

أما بخصوص الرمزية المعتمدة خلال هذه المشاركة، فإن اختيار رفع العلم الأمازيغي الثقافي يمكن فهمه في إطار مقاربة جامعة تسعى إلى إبراز البعد الهوياتي المشترك، دون إغفال الخصوصيات المحلية. فالعلم الأمازيغي، بما يحمله من دلالات ثقافية وتاريخية، أصبح في السنوات الأخيرة رمزًا معترفًا به في العديد من الفضاءات الدولية، ويُستخدم كأداة للتعبير عن الانتماء الثقافي في سياقات متعددة.

هذا الاختيار لا يعني بالضرورة تراجعًا عن خصوصية القضية الريفية، بل يمكن قراءته كنوع من إعادة تموقع استراتيجي، يهدف إلى توسيع دائرة التعاطف، وربط المطالب المحلية بإطار ثقافي أوسع وأكثر قابلية للفهم من طرف الرأي العام الأوروبي. فالتجارب المقارنة في الحركات الاجتماعية تُظهر أن توظيف رموز جامعة غالبًا ما يسهم في كسب دعم أوسع، خاصة في السياقات متعددة الثقافات.

من جهة أخرى، يبرز من خلال الحضور أن النقاش حول قضايا معتقلي الرأي لا يزال حاضرًا بقوة داخل أوساط الجالية، وهو ما يعكس استمرارية الاهتمام بهذا الملف، رغم مرور سنوات على أحداث حراك الريف. هذا الحضور يمكن اعتباره مؤشرًا على حيوية المجتمع المدني، وقدرته على إبقاء القضايا الحقوقية ضمن دائرة النقاش العمومي، سواء داخل الوطن أو في المهجر.

على المستوى الجيوستراتيجي، تلعب الجاليات دورًا متزايد الأهمية في نقل النقاشات الوطنية إلى الفضاءات الدولية، حيث تساهم في تشكيل صورة بلدانها الأصلية، والتأثير—بشكل مباشر أو غير مباشر—على مواقف الفاعلين الدوليين. وفي هذا الإطار، تبرز مثل هذه المشاركات كجزء من دبلوماسية موازية، تمارسها مكونات المجتمع المدني، وتسعى من خلالها إلى التوفيق بين الانتماء الوطني والانخراط في القيم الكونية.

هذا فتقدم هذه المشاركة نموذجًا لتفاعل الجالية مع قضاياها في سياق دولي، حيث تتقاطع الهويات، وتتعدد مستويات الخطاب، وتُطرح الأسئلة حول أفضل السبل للتعبير عن المطالب. وبين الخصوصية والانفتاح، يبدو أن الرهان الأساسي يظل هو الحفاظ على استمرارية النقاش، وتطوير أدوات التعبير بما ينسجم مع التحولات المتسارعة في العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com