في زمن أصبحت فيه الكاميرا أسرع من الفكرة، واللقطة أكثر انتشاراً من الحقيقة، صار ممكناً أن يتحول أبسط تفصيل إداري إلى “قضية رأي عام”، فقط لأن شخصاً قرر أن يضع نفسه في المكان الخطأ… ثم يعلن أنه ضحية التاريخ.
هكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد يكاد يصلح لمسرح العبث: رجل يقف أمام باب كُتب عليه بوضوح “الخروج”، يصر على الدخول منه، وحين يقال له بهدوء: “سيدي، باب الدخول من الجهة الأخرى”، لا يتحرك مترين… بل يتحرك مباشرة نحو البطولة. فجأة يصبح الحارس رمزاً للقمع، والسهم المعلق على الحائط مؤامرة مؤسساتية، والمسار التنظيمي اعتداءً على الحريات العامة.
ما حدث أمام المعرض الدولي للكتاب لم يكن، في جوهره، مواجهة فكرية، ولا معركة حول حرية التعبير، ولا صداماً بين المثقف والسلطة كما يحب البعض أن يروي. ما حدث ببساطة هو أن باباً كان يؤدي وظيفة الباب… لكن بعض الأشخاص لا يبحثون عن المرور، بل عن المشهد.
كان بإمكان المعني بالأمر أن يفعل ما يفعله آلاف الزوار كل يوم: أن يلتفت يميناً أو يساراً، يتبع السهم، يدخل من المدخل المخصص، يجلس في القاعة، يستمع، يرفع يده، يناقش، يعترض، يحرج المتدخل إن شاء، ويخرج بفكرة أو بموقف. لكن ذلك كله لا يصنع فيديو مثيراً، ولا ينتج خطاباً جاهزاً عن “التضييق”، ولا يمنح صورة البطل المحاصر أمام عدسات الهواتف.
وهنا تبدأ الكوميديا السياسية في نسختها الحديثة:
باب خروج يتحول إلى ملف حقوقي.
حارس أمن يصبح جهازاً.
تنظيم لوجستي يتحول إلى “قرار سيادي”.
وسهم صغير مكتوب عليه “Entrée” يصبح تهديداً للديمقراطية.
يا لها من قدرة خارقة على تحويل الهندسة المعمارية إلى بيان سياسي.
المثير في مثل هذه المشاهد ليس الحادث نفسه، بل طريقة تسويقه. فالقصة لا تُروى كما حدثت: “طلبوا مني الدخول من الباب المخصص.” لا، هذا لا يصلح للعناوين. يجب أن تصبح: “تم منعي.” ثم تُضاف طبقات من الدراما، ونبرة صوت مرتفعة، وحركات يد مدروسة، ونظرات كاميرا محسوبة… حتى يبدو الأمر وكأن الرجل خرج لتوه من حصار تاريخي، لا من أمام معرض للكتاب فيه أسهم إرشادية وحراس يؤدون عملهم.
المشكلة ليست في الاحتجاج، فالاحتجاج حق. وليست في الاختلاف، فالاختلاف ضرورة. وليست في مواجهة الأفكار، فالمعارك الفكرية هي ما يعطي للثقافة معناها. المشكلة حين يصبح الباب أهم من الكتاب، والعتبة أهم من القاعة، واللقطة أهم من الفكرة.
في ثقافتنا الشعبية يقولون: “اللي بغا العرس كيدخل مع الباب… واللي بغا الصداع كيقلب على الشرجم.” واليوم يبدو أن البعض لم يعد يبحث حتى عن النافذة… صار يبحث مباشرة عن باب الخروج، لأنه المكان المثالي لصناعة مظلومية جاهزة.
والأكثر طرافة أن بعض من يصنعون هذه المشاهد يعتقدون أن رفع الصوت يعوض قوة الحجة، وأن الاصطدام بحارس يعوض الاصطدام بالأفكار، وأن تصوير العتبة أهم من عبورها. بينما الحقيقة أبسط بكثير: الأفكار لا تُهزم بالصراخ أمام الأبواب، بل بالدخول من الباب الصحيح.
ليس كل من صرخ صار مضطهداً.
وليس كل من صُحّح له الاتجاه صار ممنوعاً.
وأحياناً… بكل بساطة، القضية ليست قضية دولة، ولا مؤامرة، ولا استهدافاً سياسياً.
أحياناً، يا سادة…
القضية كلها أن الباب كان خطأ.