أنبوب الغاز الإفريقي – الأطلسي: حين يعيد المغرب ونيجيريا رسم الجغرافيا الطاقية للقارة

بوشعيب البازي

في عالم لم تعد فيه الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوة وبناء التحالفات ورسم الخرائط الجيوسياسية، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي – الأطلسي باعتباره أحد أكثر المشاريع الإستراتيجية طموحًا في إفريقيا خلال العقود الأخيرة. ومع إعلان السلطات النيجيرية أن الاتفاق الحكومي النهائي للمشروع المرتقب بين الرباط وأبوجا سيُوقع خلال الربع الأخير من سنة 2026 بحضور الملك محمد السادس والرئيس بولا أحمد تينوبو، يبدو واضحًا أن المشروع تجاوز منطق التصور التقني، ودخل فعليًا مرحلة التموضع الجيوسياسي الدولي.

هذا الإعلان، الذي جاء عقب مشاورات رفيعة المستوى بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيرته النيجيرية بيانكا أودوميجو أوجوكو، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تقدم إداري في مشروع للبنية التحتية، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل عميق في طبيعة العلاقات الإفريقية–الإفريقية، وانتقالها من منطق التضامن السياسي التقليدي إلى منطق المصالح الإستراتيجية العابرة للحدود.

يمتد المشروع على مسافة تقارب 6900 كيلومتر، عابراً إحدى عشرة دولة على الساحل الغربي للقارة، قبل أن يصل إلى المغرب كبوابة طبيعية نحو الأسواق الأوروبية. وبتكلفة تُقدّر بأكثر من 26 مليار دولار، لا يمثل هذا الأنبوب مجرد قناة لنقل الغاز الطبيعي النيجيري، بل يشكل ممراً جيو-اقتصادياً جديداً يُعيد تشكيل مسارات الطاقة بين الجنوب والشمال، ويمنح إفريقيا لأول مرة إمكانية التحكم النسبي في جزء من سلاسل القيمة الطاقية العالمية.

من منظور جيواستراتيجي، يُعد اختيار المسار الأطلسي قراراً بالغ الدلالة. فبدلاً من الارتهان للمعابر التقليدية التي ظلت لعقود مرتبطة بالتوازنات المتوسطية أو الشرق أوسطية، يطرح المغرب نموذجاً جديداً يقوم على بناء فضاء أطلسي إفريقي متكامل، تتحول فيه الدول الساحلية من مجرد مناطق عبور إلى شركاء في منظومة اقتصادية إقليمية مترابطة. هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الإفريقية التي يقودها الملك محمد السادس منذ أكثر من عقد، والقائمة على جعل التعاون جنوب–جنوب رافعة للتنمية والاستقرار.

في المقابل، ترى نيجيريا، أكبر منتج للغاز في إفريقيا، في هذا المشروع فرصة تاريخية لتحرير صادراتها من الاختناقات الجغرافية التقليدية، وتنويع منافذها التجارية في سياق دولي يعرف تحولات عميقة في الطلب على الغاز، خاصة بعد الأزمة الطاقية الأوروبية التي أعقبت الحرب الروسية–الأوكرانية، أو ما يُعرف بـالحرب الروسية الأوكرانية، والتي دفعت أوروبا إلى إعادة النظر جذرياً في مصادر إمداداتها.

غير أن المؤشر الأكثر أهمية في المرحلة الحالية لا يرتبط فقط بالتقدم التقني للمشروع، بل بحجم الاهتمام الدولي الذي بات يحظى به. فالزيارة الأخيرة التي قادتها المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، إلى واشنطن، وما تخللها من لقاءات مع مؤسسات أميركية نافذة، من بينها البيت الأبيض ووزارة الطاقة الأميركية والبنك الدولي ومراكز تفكير مؤثرة، تعكس انتقال المشروع من دائرة المبادرة الثنائية إلى فضاء الاهتمام الجيوسياسي العالمي.

فالولايات المتحدة، التي تسعى منذ سنوات إلى إعادة تموقعها داخل القارة الإفريقية في مواجهة تمدد النفوذ الصيني والروسي، تدرك أن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الطاقية العابرة للحدود يمثل أحد أكثر أدوات النفوذ فعالية واستدامة. ومن هذا المنطلق، يصبح دعم مشروع الأنبوب المغربي–النيجيري جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز الاعتبارات التجارية نحو إعادة هندسة التوازنات الإستراتيجية في غرب إفريقيا.

كما أن الدعم المؤسساتي الذي يحظى به المشروع داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، يمنحه شرعية إقليمية غير مسبوقة، خاصة بعد استكمال دراسات الجدوى والتصميم الهندسي الأولي واعتماد بنود الاتفاقية الحكومية التي ستؤطر حكامة المشروع. وهي مؤشرات تؤكد أن المشروع لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل دخل فعلياً مرحلة التأسيس المؤسساتي تمهيداً لقرار الاستثمار النهائي.

الأهمية الكبرى لهذا الأنبوب تكمن أيضاً في تأثيره المحتمل على الاستقرار الإقليمي. فالتاريخ الاقتصادي يثبت أن مشاريع الربط الطاقي الكبرى لا تنقل فقط الموارد، بل تنتج شبكات مصالح متبادلة تقلص من احتمالات النزاعات وتخلق أشكالاً جديدة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. ولذلك فإن عبور الأنبوب عبر إحدى عشرة دولة إفريقية قد يحول الساحل الأطلسي من فضاء هش أمنياً إلى محور اقتصادي ناشئ قائم على التكامل والربط الطاقي والتجاري.

في هذا السياق، يبدو المغرب وكأنه لا يراهن فقط على الغاز، بل على بناء هندسة سياسية واقتصادية جديدة للقارة، تجعل من الطاقة أداة للنفوذ الناعم، ومن البنية التحتية وسيلة لترسيخ الحضور الإستراتيجي. وإذا ما تم توقيع الاتفاق النهائي سنة 2026 كما هو معلن، فإن إفريقيا لن تكون فقط أمام مشروع طاقي ضخم، بل أمام لحظة تاريخية قد تعيد تعريف موقع القارة داخل النظام الطاقي العالمي خلال العقود المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com