استئناف ترحيل الجزائريين من إسبانيا… حين تتحول الهجرة إلى ورقة جيوسياسية في غرب المتوسط
مجدي فاطمة الزهراء
في تطور يعكس التحولات العميقة التي تشهدها التوازنات السياسية والأمنية في غرب البحر الأبيض المتوسط، بدأت السلطات الإسبانية رسميا استئناف عمليات ترحيل المهاجرين الجزائريين الموجودين في وضعية غير قانونية، بعد فترة طويلة من الجمود فرضتها الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين مدريد والجزائر عقب التحول التاريخي في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره إجراء إداريا مرتبطا بتدبير ملفات الهجرة غير النظامية، إلا أن خلفياته السياسية والجيوستراتيجية تكشف عن تداخل متزايد بين قضايا الهجرة والطاقة والأمن الإقليمي والتحالفات الدبلوماسية داخل الفضاء المتوسطي، حيث أصبحت الهجرة إحدى أبرز أدوات الضغط وإعادة التوازن بين الدول.
ووفقا لما أوردته صحيفة “ABC” الإسبانية، فإن مذكرة داخلية صادرة عن المفوضية العامة للهجرة والحدود التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية أكدت التوصل إلى اتفاق جديد مع الجزائر يسمح بإعادة تفعيل عمليات الترحيل، بعد مفاوضات مطولة قادتها أجهزة متعددة تابعة لوزارة الداخلية الإسبانية. وتشير المعطيات الواردة في المذكرة إلى أن مدريد استعادت رسميا القدرة القانونية والعملية على إيداع المهاجرين الجزائريين غير النظاميين داخل مراكز احتجاز الأجانب تمهيدا لترحيلهم نحو الجزائر.
هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي عرفته العلاقات الجزائرية ـ الإسبانية منذ إعلان حكومة Pedro Sánchez دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية نزاع الصحراء. فقد شكل ذلك الموقف تحولا إستراتيجيا في السياسة الخارجية الإسبانية، أنهى عقودا من الغموض الدبلوماسي، وأعاد رسم توازنات مدريد داخل منطقة المغرب العربي.
الرد الجزائري آنذاك لم يقتصر على الاحتجاج السياسي، بل شمل تجميد عدد من مجالات التعاون الثنائي، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالطاقة والتنسيق الأمني والهجرة. وفي هذا السياق، توقفت فعليا عمليات استقبال المرحلين الجزائريين من إسبانيا، ما وضع السلطات الإسبانية أمام معضلة قانونية وأمنية متزايدة، خصوصا مع ارتفاع أعداد المهاجرين القادمين من السواحل الجزائرية نحو جنوب إسبانيا وجزر البليار.
لقد كشفت تلك المرحلة، بشكل واضح، أن ملف الهجرة في غرب المتوسط لم يعد قضية إنسانية أو اجتماعية فقط، بل أصبح جزءا من أدوات التفاوض الجيوسياسي بين الدول. فالقدرة على التعاون في ضبط الحدود أو استقبال المرحلين تحولت إلى ورقة ضغط دبلوماسية تستعمل لإعادة صياغة موازين القوة والتأثير داخل المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن استئناف عمليات الترحيل اليوم يعكس مؤشرا على عودة التنسيق الأمني بين مدريد والجزائر إلى حد أدنى من البراغماتية السياسية، رغم استمرار الخلافات العميقة بين الطرفين. فالجزائر، التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية متصاعدة، تبدو أكثر ميلا إلى إعادة بناء قنوات التعاون مع الشركاء الأوروبيين، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة.
أما بالنسبة لإسبانيا، فإن استئناف عمليات الترحيل يمثل ضرورة أمنية وسياسية في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها الحكومة الإسبانية بسبب تصاعد تدفقات الهجرة غير النظامية، خصوصا من الضفة الجنوبية للمتوسط. وتشير تقارير أمنية إسبانية إلى أن السواحل الجزائرية أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز نقاط الانطلاق نحو الأراضي الإسبانية، في ظل تنامي شبكات الهجرة السرية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية داخل الجزائر.
وفي هذا السياق، برزت مقاطعة Alicante باعتبارها واحدة من أهم بؤر التمركز الجزائري داخل إسبانيا، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة ضغطا كبيرا على الإدارات المحلية والمصالح القنصلية الجزائرية، مع تزايد أعداد المهاجرين الساعين إلى تسوية أوضاعهم القانونية قبل دخول القرارات الجديدة المتعلقة بالترحيل حيز التنفيذ.
كما يعكس تعزيز الشرطة الإسبانية لوجودها الأمني قرب المقرات القنصلية الجزائرية حجم التوتر الاجتماعي والنفسي الذي رافق هذه التطورات، خاصة في ظل مخاوف المهاجرين من فقدان فرص الاستقرار القانوني داخل الأراضي الإسبانية.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن استئناف التعاون في ملف الترحيل يأتي في لحظة تشهد فيها منطقة غرب المتوسط تحولات متسارعة في هندسة التحالفات الإقليمية. فإسبانيا، التي أعادت تموقعها الإستراتيجي عبر توثيق شراكتها مع المغرب، تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في علاقتها مع الجزائر، باعتبارها موردا مهما للطاقة وشريكا أساسيا في ملفات الأمن الإقليمي.
وفي المقابل، تدرك الجزائر أن استمرار القطيعة مع مدريد يحمل كلفة سياسية واقتصادية متزايدة، خاصة في ظل التغيرات التي تعرفها السوق الأوروبية للطاقة، وتراجع هامش المناورة الجيوسياسية الذي كانت توفره ورقة الغاز خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، يبدو أن ملف الهجرة أصبح اليوم أحد أبرز مجالات “البراغماتية الحذرة” بين الطرفين، حيث يتم الفصل نسبيا بين الخلافات السياسية الكبرى ومتطلبات التعاون الأمني والإداري الضروري لإدارة الحدود المتوسطية.
غير أن البعد الأعمق لهذه التطورات يكمن في التحول التدريجي الذي تعرفه قضايا الهجرة داخل الفضاء الأوروبي ـ المتوسطي. فالدول الأوروبية لم تعد تنظر إلى الهجرة فقط باعتبارها تحديا اجتماعيا، بل كجزء من منظومة الأمن القومي والاستقرار السياسي، خاصة مع تصاعد التيارات الشعبوية والضغوط الانتخابية المرتبطة بملفات الحدود واللجوء.
وفي هذا السياق، تتحول بلدان جنوب المتوسط تدريجيا إلى شركاء أمنيين مكلفين بضبط تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى أوروبا، مقابل ترتيبات سياسية واقتصادية ودبلوماسية معقدة، وهو ما يجعل من ملف الترحيل الحالي أكثر من مجرد إجراء إداري، بل جزءا من إعادة تشكيل العلاقة بين شمال المتوسط وجنوبه.
وبين الحسابات الأمنية الإسبانية، والتوازنات الدبلوماسية الجزائرية، والتحولات الإستراتيجية التي تعرفها المنطقة، يبدو أن استئناف ترحيل المهاجرين الجزائريين يختزل مرحلة جديدة من إدارة ملفات الهجرة في غرب المتوسط، حيث لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية، بل أصبحت فضاءات لإعادة إنتاج النفوذ والتفاوض السياسي في واحدة من أكثر المناطق حساسية على المستوى الجيوستراتيجي.