المغرب و”أف ـ 16 بلوك 72”: حين تتحول السيادة الجوية إلى معادلة جيوستراتيجية جديدة
بوشعيب البازي
لم يعد تحديث سلاح الجو المغربي مجرد عملية اقتناء تقني لمنظومات قتالية متطورة، بل أصبح جزءا من إعادة صياغة العقيدة الدفاعية للمملكة في سياق إقليمي شديد التحول، تتداخل فيه رهانات الأمن القومي مع متطلبات الردع التكنولوجي، وتتصاعد فيه المنافسة على التحكم في المجال الجوي وشبكات الحرب الإلكترونية. وفي هذا الإطار، تكتسب المعطيات الجديدة التي كشفت عنها شركة Lockheed Martin بشأن برنامج مقاتلات “أف ـ 16 بلوك 72” المخصصة للمغرب دلالات تتجاوز البعد الصناعي أو التجاري، لتؤشر على انتقال المغرب نحو جيل جديد من القدرات الجوية المرتبطة بالحروب الشبكية والهيمنة الإلكترونية.
التصريحات التي أدلى بها المدير المالي للشركة الأميركية، إيفان سكوت، خلال عرض النتائج الفصلية للمجموعة، أكدت بشكل واضح أن التأخير الذي عرفه البرنامج لم يكن مرتبطا فقط باضطرابات سلاسل التوريد العالمية، كما كان يروج سابقا، بل ارتبط أساسا بإدماج تهيئة تكنولوجية جديدة داخل النسخة المغربية من المقاتلة، وهي عملية استدعت تعديلات تقنية إضافية عقب اختبارات الطيران. والأهم من ذلك أن الشركة أوضحت أن هذه المرحلة قد جرى تجاوزها بنجاح، مع اقتراب موعد أولى عمليات التسليم خلال الأسابيع المقبلة.
هذا المعطى يحمل في العمق رسالة إستراتيجية بالغة الدلالة: المغرب لا يقتني مجرد مقاتلات متعددة المهام، بل يحصل على نسخة متقدمة تخضع لتخصيص تقني يضعها ضمن أكثر المنظومات الجوية تطورا في المنطقة. فالفارق بين امتلاك طائرة مقاتلة وامتلاك منصة قتالية رقمية متكاملة هو الفارق نفسه بين جيش تقليدي وجيش قادر على إدارة الحروب الحديثة القائمة على التفوق المعلوماتي والسيطرة على المجال الكهرومغناطيسي.
وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط العسكرية المتخصصة إلى أن النسخة المغربية ستتضمن أنظمة متقدمة في الحرب الإلكترونية والحماية الذاتية، من أبرزها نظام “Viper Shield”، الذي تطوره L3Harris Technologies باعتباره أحد أكثر أنظمة التشويش الإلكتروني تطورا ضمن الجيل الجديد من مقاتلات “أف ـ 16”. ويتميز هذا النظام بقدرته على رصد التهديدات الرادارية وتحليلها في الزمن الحقيقي، ثم التشويش عليها أو تضليلها، بما يمنح الطيار هامشا أوسع للمناورة والبقاء داخل البيئات القتالية المعقدة.
إن إدماج مثل هذه الأنظمة داخل هيكل الطائرة، بدل الاعتماد على الحاويات الخارجية التقليدية، يعكس تحولا نوعيا في فلسفة القتال الجوي الحديثة. فالمقاتلة لم تعد مجرد منصة لإطلاق الصواريخ، بل أصبحت مركزا متقدما لإدارة البيانات والاشتباك الإلكتروني، قادرا على تنفيذ مهام الرصد والهجوم والحماية الذاتية في وقت واحد. وهذه النقلة النوعية تمنح القوات الجوية الملكية المغربية قدرة أكبر على التعامل مع أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، خاصة في ظل الانتشار المتزايد لمنظومات مضادة للطائرات عالية التطور داخل البيئات الإقليمية المحيطة.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها في ضوء التحولات الأمنية التي تعرفها منطقة شمال أفريقيا والساحل، حيث أصبحت الحروب الحديثة ترتكز بشكل متزايد على التفوق الإلكتروني والقدرة على تعطيل شبكات العدو قبل تدميرها ميدانيا. وفي هذا السياق، يبدو أن الرباط تراهن على بناء قوة جوية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الردع التقليدي، بل تشمل أيضا امتلاك أدوات الهيمنة التكنولوجية والقدرة على العمل داخل فضاءات قتالية رقمية متشابكة.
ويرى هشام معتضد، الأكاديمي والخبير المغربي في الشؤون الإستراتيجية والأمن الإقليمي، أن اختيار المغرب لمقاتلات “أف ـ 16 بلوك 72” يعكس رؤية إستراتيجية بعيدة المدى لتحديث القدرات الجوية للمملكة وفق أحدث المعايير الغربية، مؤكدا أن تأخير التسليم بسبب إدماج تقنيات المراقبة والحرب الإلكترونية لم يؤثر على تحصين الأجواء المغربية، بقدر ما منح القوات المسلحة فرصة للحصول على نسخة أكثر تطورا وقدرة على الاندماج مع الأنظمة القتالية الحديثة.
ويضيف معتضد أن التعاون العسكري المغربي ـ الأميركي لم يعد يقتصر على صفقات التسلح، بل تحول إلى شراكة دفاعية متكاملة تقوم على تبادل الخبرات والتدريب المشترك والتنسيق العملياتي، وهو ما يفسر التوسع المتواصل في حجم المناورات الثنائية، وعلى رأسها مناورات African Lion، التي أصبحت منصة إقليمية لاختبار جاهزية الأنظمة القتالية الجديدة وتعزيز قابلية التشغيل البيني مع قوات حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرادار المتطور “AESA APG ـ 83” الذي تتوفر عليه النسخة الجديدة من “أف ـ 16 بلوك 72”، باعتباره واحدا من أكثر الرادارات تطورا في فئته، بفضل قدرته على تتبع أهداف متعددة في آن واحد، ومقاومة التشويش الإلكتروني، وتوفير صورة عملياتية دقيقة لساحة المعركة. كما أن قمرة القيادة الرقمية وأنظمة الاتصال الحديثة تجعل المقاتلة جزءا من شبكة قتالية مترابطة قادرة على تبادل المعلومات بشكل فوري مع باقي الوحدات الجوية والبرية.
ولعل ما يعزز هذا التوجه أكثر هو التزامن بين دخول مقاتلات “أف ـ 16 بلوك 72” الخدمة، ووصول المروحيات الهجومية الجديدة من طراز Boeing AH-64 Apache إلى المغرب، في إطار رؤية شاملة لإعادة هيكلة القوة الجوية المغربية وفق مفهوم “المنظومات المتكاملة”. فالمروحيات الجديدة، المزودة بنظام “Link 16” للقيادة والسيطرة، تمثل بدورها نقلة نوعية في مجال التنسيق العملياتي وتبادل البيانات في الزمن الحقيقي، كما تمنح الجيش المغربي قدرة متقدمة على إدارة العمليات المشتركة بين الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيرة والوحدات البرية.
وقد شكلت مناورات “الأسد الأفريقي 2026” أول اختبار عملي لهذه القدرات الجديدة، حيث شاركت مروحيات الأباتشي في سيناريوهات قتالية تحاكي مواجهة هجمات ميدانية معقدة، بما يعكس انتقال القوات المسلحة الملكية من مرحلة اقتناء المعدات إلى مرحلة بناء عقيدة قتالية شبكية متطورة.
في العمق، تبدو الإستراتيجية المغربية واضحة: بناء قوة ردع جوية مرنة، عالية التكنولوجيا، وقادرة على العمل ضمن تحالفات دولية مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار السيادي. فالمملكة تدرك أن موازين القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات أو حجم الترسانة، بل بمدى القدرة على التحكم في المعلومات، وإدارة المعركة إلكترونيا، وربط مختلف الوحدات العسكرية داخل منظومة قتالية موحدة.
ومن هنا، فإن تحديث أسطول “أف ـ 16” وتهيئة القواعد الجوية في سيدي سليمان وبن جرير لاستقبال الأجيال الجديدة من المقاتلات، لا يعكسان مجرد تحديث عسكري تقني، بل يعبران عن تموقع جيوستراتيجي جديد للمغرب داخل معادلات الأمن الإقليمي، في لحظة دولية تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية ويعاد فيها رسم خرائط النفوذ العسكري والتكنولوجي في المنطقة.