المغرب يعيد صياغة العلاقة مع الجالية: من التحويلات المالية إلى الاستثمار المنتج
نسرين البلغيتي
طنجة – في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس بين الدول الصاعدة على استقطاب استثمارات الجاليات وتحويلاتها المالية، يواصل المغرب بلورة مقاربة جديدة تروم إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع مغاربة العالم، في اتجاه تحويلها من علاقة تحويلات استهلاكية إلى شراكة استثمارية منتجة.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أن المملكة تطمح إلى أن تصبح الوجهة الطبيعية لاستثمارات مغاربة العالم، من خلال توفير مناخ اقتصادي محفّز يسمح بانخراط فعلي لهذه الفئة في دينامية التنمية التي تعرفها مختلف جهات البلاد.
وجاءت تصريحات أخنوش خلال افتتاح المنتدى الوطني حول الاستثمار ومغاربة العالم، حيث شدد على أن المرحلة الراهنة تفرض “الانتقال إلى شكل جديد من الارتباط الاقتصادي بين المغرب وأبنائه في الخارج”، يقوم على الارتقاء بالتحويلات المالية إلى مشاريع استثمارية قادرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، وتعزيز الابتكار والتنمية المجالية.
هذا التحول في الخطاب يعكس، من منظور اقتصادي-سياسي، انتقالاً تدريجياً من رؤية تعتبر الجالية مصدراً للعملة الصعبة فقط، إلى تصور استراتيجي يعتبرها فاعلاً مركزياً في منظومة التنمية الوطنية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم التحويلات فحسب، بل بكيفية تحويلها إلى رأسمال إنتاجي مدمج داخل الاقتصاد الوطني.
ويؤكد رئيس الحكومة أن الاستثمار الذي يقوم به مغاربة العالم لم يعد يُنظر إليه كخيار اقتصادي تقليدي، بل كـ“رهان استراتيجي على المستقبل”، مرتبط ببناء مغرب أكثر تنافسية وإشعاعاً وقدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، بما يعكس تحوّلاً في طبيعة التفكير التنموي نحو مقاربة أكثر انفتاحاً على الفاعلين الخارجيين المرتبطين بالهوية الوطنية.
في السياق نفسه، يبرز الدور المركزي للعاهل المغربي الملك محمد السادس، الذي ما فتئ يدعو إلى تعزيز ارتباط مغاربة العالم بوطنهم الأم، وتوسيع مساهمتهم في الاستثمار الوطني، في ظل معطى أساسي يتمثل في أن هذه الفئة لا تزال لا تساهم إلا بنحو 10% من حجم الاستثمار الخاص الوطني، رغم ثقلها المالي والبشري والمعرفي.
وترتكز الرؤية الملكية على ضرورة تمكين هذه الفئة من آليات عملية للاندماج الاقتصادي، عبر تبسيط المساطر، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير برامج موجهة، من بينها دعم الولوج إلى السكن، باعتباره مدخلاً اجتماعياً واقتصادياً لتعزيز الارتباط الدائم بين الجالية ووطنها.
من منظور جيوستراتيجي، لا يقتصر هذا التوجه على بعد اقتصادي داخلي، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تموضع المغرب داخل فضاءاته الإقليمية والدولية. فمغاربة العالم يشكلون اليوم، بحسب التقديرات الرسمية، قوة مالية مهمة تتجاوز تحويلاتها 122 مليار درهم سنة 2025، إضافة إلى رصيد مهم من الكفاءات والخبرات والشبكات العابرة للحدود.
هذا الرصيد لا يُختزل في البعد المالي فقط، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بـ“رأسمال النفوذ غير المباشر”، الذي يسمح بربط الاقتصاد الوطني بشبكات القرار والاستثمار في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، ما يمنح المغرب هامشاً إضافياً في سياق التنافس الدولي على الاستثمارات.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية، حيث أصبحت الجاليات الوطنية بالخارج أحد أهم مصادر تمويل المشاريع التنموية في عدد من الدول الصاعدة. وهو ما يدفع المغرب إلى إعادة التفكير في أدواته المؤسساتية، ليس فقط لجذب الرساميل، بل لدمجها ضمن رؤية تنموية مندمجة طويلة المدى.
في هذا الإطار، يشكل المنتدى الوطني حول الاستثمار ومغاربة العالم محطة أساسية في بلورة هذه الاستراتيجية الجديدة، التي تراهن على تحويل الجالية من فاعل مالي خارجي إلى شريك داخلي في صناعة القرار الاقتصادي، عبر خلق فضاءات للحوار، وتجديد الثقة، وإطلاق شراكات استثمارية مستدامة.
وبذلك، يبدو أن المغرب يتجه نحو ترسيخ معادلة جديدة قوامها أن الجالية لم تعد مجرد امتداد اجتماعي خارج الحدود، بل أصبحت أحد أعمدة القوة الاقتصادية الناعمة للمملكة، وعنصراً محورياً في معادلة التنمية والتحديث.