دي ميستورا في تندوف: هل تدفع الواقعية الدولية نحو تسوية نهائية لملف الصحراء المغربية؟

بوشعيب البازي

تشهد قضية الصحراء المغربية مرحلة دقيقة من إعادة التموضع الدبلوماسي، في ظل تكثيف الأمم المتحدة لتحركاتها السياسية، وتزايد الانخراط الدولي، خاصة الأمريكي، في الدفع نحو تسوية واقعية ومستدامة لهذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود. وفي هذا السياق، أنهى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، ستيفان دي ميستورا، زيارة جديدة إلى مخيمات تندوف، ضمن جولة إقليمية تهدف إلى تهيئة الظروف السياسية لمشاورات مرتقبة قبل الاستحقاقات الأممية المقبلة، وعلى رأسها تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) في أكتوبر القادم.

وتأتي هذه الزيارة في سياق دبلوماسي متحرك، اتسم بلقاءات مهمة عقدها دي ميستورا مع مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، على هامش منتدى أوسلو بالنرويج. وتعكس هذه اللقاءات مؤشرات متزايدة على رغبة واشنطن في لعب دور أكثر فعالية في تسريع العملية السياسية، انطلاقا من قناعة متنامية لدى الفاعلين الدوليين بأن استمرار النزاع يمثل مصدر عدم استقرار جيوسياسي وأمني في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

وقد أكد مسعد بولس، في تصريحات نشرها عبر منصة “إكس”، أن مباحثاته مع دي ميستورا ركزت على سبل تعزيز تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، باعتباره الإطار المرجعي الذي يؤطر الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم. كما شدد المسؤول الأمريكي على أن استمرار النزاع لأكثر من خمسة عقود يستوجب مضاعفة الجهود الدولية لتجاوز حالة الجمود التي طبعت المسار السياسي خلال السنوات الماضية.

التحول الأمريكي ومنطق الواقعية السياسية

تعكس التحركات الأمريكية الأخيرة تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن للنزاع، إذ أصبحت الواقعية السياسية والمصالح الاستراتيجية المحدد الأساسي في صياغة مواقفها تجاه القضايا الإقليمية المعقدة. وفي هذا الإطار، يرى هشام معتضد، الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أن اللقاء بين دي ميستورا ومسعد بولس يضع جبهة بوليساريو أمام “تحد استراتيجي غير مسبوق”، بالنظر إلى اعتماد الولايات المتحدة مقاربة قائمة على تقييم الوقائع الميدانية ومآلاتها الأمنية والاقتصادية، بعيدا عن الطروحات الإيديولوجية التقليدية.

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة، بالنظر إلى تزايد الوعي الدولي بالمخاطر الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، حيث أصبحت قضايا الإرهاب العابر للحدود، وشبكات الجريمة المنظمة، والاتجار غير المشروع، عوامل مؤثرة في إعادة رسم أولويات القوى الدولية تجاه النزاعات الإقليمية المزمنة.

وفي هذا السياق، يكتسب أي تصعيد عسكري أو استهداف محتمل للمناطق المدنية بعدا يتجاوز الإطار المحلي للنزاع، ليصبح مرتبطا مباشرة بالمصالح الأمنية والاقتصادية الدولية، خصوصا في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

محدودية الخطاب التقليدي لبوليساريو

خلال زيارته إلى مخيمات تندوف، عقد دي ميستورا لقاءات مع قيادات جبهة بوليساريو، من بينها اجتماع مع محمد يسلم بيسط، المسؤول عن الشؤون الخارجية في الجبهة، بالإضافة إلى لقاء مع زعيمها إبراهيم غالي. غير أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذه المشاورات لم تسفر عن أي اختراق سياسي ملموس، حيث استمرت الجبهة في التمسك بخطابها التقليدي المرتكز على مفهوم “تقرير المصير” بصيغته التاريخية، رغم التحولات التي طرأت على المرجعيات الأممية خلال السنوات الأخيرة.

ويبرز هنا التباين الواضح بين الخطاب السياسي للجبهة والتوجهات التي كرستها قرارات مجلس الأمن المتعاقبة، والتي أصبحت تركز بشكل متزايد على ضرورة التوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي ومستدام وقائم على التوافق”. وهو ما يعكس انتقال المجتمع الدولي من منطق تدبير الأزمة إلى البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول الأطراف المعنية.

الجزائر بين الدعم السياسي ومسؤولية الانخراط

تظل الجزائر فاعلا محوريا في تطورات الملف، بالنظر إلى احتضانها لمخيمات تندوف ودعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة بوليساريو منذ عقود. وعلى الرغم من تأكيد الجزائر المتكرر أنها ليست طرفا مباشرا في النزاع، فإن القرارات الأممية المتتالية تدعوها إلى الانخراط البناء في المسار السياسي، باعتبارها طرفا مؤثرا في معادلات الحل الإقليمي.

وتطرح هذه المعادلة تحديا أساسيا يتعلق بمدى استعداد مختلف الأطراف للانتقال من منطق إدارة الخلافات التاريخية إلى تبني مقاربة براغماتية تستجيب للتحولات الجيوسياسية الراهنة، خاصة في ظل تنامي الحاجة إلى بناء فضاء مغاربي أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة.

الحكم الذاتي: من مبادرة سياسية إلى مرجعية دولية متنامية

تتزامن التحركات الأممية الحالية مع دينامية دبلوماسية متصاعدة لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، باعتبارها إطارا سياسيا يتيح تدبيرا ذاتيا موسعا للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية.

وقد عززت العديد من الدول الكبرى دعمها لهذه المبادرة، ووصفتها بأنها “جدية وذات مصداقية وواقعية”، وهو توصيف أصبح حاضرا بشكل متكرر في قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمناء العامين للأمم المتحدة. ويعكس هذا التطور تحولا تدريجيا في البيئة الدولية نحو تبني حلول عملية قابلة للتطبيق، بدلا من الاستمرار في مقاربات أثبتت محدودية قدرتها على إنهاء النزاع.

نحو محطة أكتوبر الحاسمة

مع اقتراب موعد عرض الملف مجددا أمام مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، تبدو الجهود التي يقودها دي ميستورا محاولة لإعادة إحياء العملية السياسية وتوفير الحد الأدنى من التوافق الذي يسمح بإطلاق جولة جديدة من المشاورات.

غير أن نجاح هذه المساعي سيظل رهينا بمدى استعداد الأطراف المعنية للتفاعل مع المتغيرات الدولية والإقليمية، والتخلي عن المواقف الجامدة لصالح مقاربة تقوم على الواقعية السياسية والتوافق العملي.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد المجتمع الدولي ينظر إلى نزاع الصحراء باعتباره مجرد قضية تصفية إرث سياسي قديم، بل بات يعتبره اختبارا لقدرة الفاعلين الإقليميين على إنتاج حلول مبتكرة توازن بين الشرعية الدولية ومتطلبات الأمن والاستقرار والتنمية.

وبينما تستمر الأمم المتحدة في جهود الوساطة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستحدد إلى حد كبير ملامح المسار السياسي للنزاع، في وقت تتزايد فيه القناعة الدولية بأن تسوية هذا الملف لم تعد مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار في منطقة تتقاطع فيها رهانات الأمن والطاقة والتنمية والشراكات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com