الصحراء المغربية بين الزخم الأميركي والدينامية الأممية: نحو إعادة تشكيل هندسة التسوية السياسية

بوشعيب البازي

تشهد قضية الصحراء المغربية تحولات نوعية في مسارها الدبلوماسي، تعكس انتقال الملف من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث الجدي عن تسوية سياسية نهائية. وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تعكسه من مؤشرات على انخراط أميركي أكثر وضوحاً وفاعلية في الدفع نحو تسريع وتيرة المفاوضات السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة.

فخلال لقاء جمعه بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، على هامش منتدى أوسلو، أكد المسؤول الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب شدد على ضرورة إطلاق مفاوضات “بحسن نية ودون تأخير”، مع المضي قدماً في تنفيذ مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797. كما أبرز أن الحوار البراغماتي، والإرادة السياسية، والاستعداد لتقديم التنازلات، تشكل مرتكزات أساسية للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف.

تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي ودولي متغير، يتميز بتنامي الدعم الدولي للموقف المغربي، سواء من خلال الاعتراف المتزايد بمغربية الصحراء أو عبر افتتاح العديد من الدول لقنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة النزاع وآفاق تسويته.

ومن منظور جيوستراتيجي، يبدو أن واشنطن تسعى إلى إعادة هيكلة مقاربتها لملف الصحراء المغربية، عبر الانتقال من دور الداعم السياسي التقليدي إلى موقع الفاعل المؤثر في توجيه العملية السياسية الأممية. فالثقل الأميركي داخل مجلس الأمن، وقدرته على التأثير في صياغة القرارات الدولية، يمنحان الولايات المتحدة هامشاً واسعاً للمساهمة في تقريب وجهات النظر وتحديد سقف زمني أكثر وضوحاً لمسار التسوية.

وفي هذا الإطار، يرى نبيل الأندلوسي، رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة بعد المحطات الدبلوماسية التي احتضنتها مدريد وواشنطن، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على الأطر الأممية التقليدية، بل أصبح يحظى بمواكبة مباشرة من قوى دولية فاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ويعكس هذا التحول تغيراً في طبيعة التعاطي الدولي مع النزاع، إذ بات التركيز منصباً على البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق، بدلاً من الاستمرار في تدبير حالة الجمود التي طبعت الملف لعقود طويلة. كما أن الحضور الأميركي المباشر يساهم في تقليص هامش المناورات السياسية التي كانت تؤدي إلى إطالة أمد النزاع دون تحقيق تقدم ملموس.

وفي سياق متصل، أثار اختيار العاصمة النرويجية أوسلو لاحتضان هذه المشاورات تساؤلات حول إمكانية تحولها إلى منصة جديدة للمفاوضات بين الأطراف المعنية. ويستند هذا الاحتمال إلى الرصيد التاريخي الذي راكمته النرويج في مجال الوساطة الدولية واحتضان الحوارات المرتبطة بالنزاعات الإقليمية، ما يجعلها فضاءً دبلوماسياً ملائماً لاستضافة جولات تفاوضية مستقبلية.

غير أن خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية، يؤكد أن جوهر العملية السياسية لا يرتبط بمكان انعقاد المفاوضات بقدر ما يرتبط بطبيعة الحلول المطروحة على طاولة النقاش. فسواء جرت المباحثات في واشنطن أو مدريد أو أوسلو أو أي عاصمة أخرى، فإن ذلك لن يغير من النسق العام للمفاوضات، الذي بات يتمحور حول البحث في آليات تنزيل مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وجدية لحل النزاع.

ويعزز هذا التوجه استمرار الموقف الأميركي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، والتي تعتبرها واشنطن حلاً جاداً وواقعياً وذا مصداقية. كما أن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، الذي تم الإعلان عنه خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، أسهم في إعادة رسم موازين القوى الدبلوماسية المرتبطة بالملف.

ومن الناحية القانونية والسياسية، تؤكد القرارات الأخيرة لمجلس الأمن الدولي على أهمية التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ومستدام يقوم على التوافق. كما تدعو بشكل متكرر جميع الأطراف إلى الانخراط في العملية السياسية بروح من الواقعية والتوافق، بما ينسجم مع التطورات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة تحديد المسؤوليات الإقليمية المرتبطة بالنزاع، بما يساهم في تجاوز منطق إدارة الأزمة نحو منطق صناعة الحل. فالمفاوضات الجديدة، المدعومة بالحضور الأميركي المتزايد، قد تدفع نحو بلورة مقاربة أكثر وضوحاً بشأن الأدوار المنتظرة من مختلف الأطراف المعنية.

ولا يقتصر الرهان على إنهاء نزاع إقليمي استمر لأكثر من خمسة عقود، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية في منطقة المغرب العربي والساحل الأفريقي. فمن شأن التوصل إلى تسوية نهائية أن يفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي الإقليمي، وتعزيز التعاون الأمني في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما فيها الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.

إن الدينامية الدبلوماسية الحالية، المدعومة بانخراط أميركي أكثر وضوحاً وتنسيق متزايد مع الأمم المتحدة، تشير إلى أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة مفصلية قد تحدد ملامح التسوية النهائية للنزاع. وفي ظل هذا السياق الدولي المتحول، يبدو أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تواصل تعزيز موقعها باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الإقليمي ومقتضيات الشرعية الدولية.

وعليه، فإن التحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بغياب الحلول الممكنة، بقدر ما أصبح رهيناً بمدى توفر الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف للانخراط في مسار تفاوضي مسؤول يضع حداً لأحد أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الأفريقية، ويفتح المجال أمام بناء فضاء مغاربي أكثر استقراراً وتعاوناً وازدهاراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com