أطفال تندوف بين الفراغ القانوني والمسؤولية الدولية: عندما تتحول المخيمات إلى فضاء خارج المساءلة
بوشعيب البازي
في العلاقات الدولية، لا تُقاس الأزمات فقط بعدد الضحايا أو بطول أمد النزاعات، بل كذلك بقدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الأكثر هشاشة. ويظل الأطفال، في جميع النزاعات المسلحة، المؤشر الأكثر دلالة على نجاح أو فشل منظومة الحماية الدولية. ومن هذا المنطلق، أعادت الندوة الدولية التي احتضنتها مدينة جنيف، على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في شمال إفريقيا، والمتعلق بأوضاع الأطفال داخل مخيمات تندوف الواقعة فوق التراب الجزائري والخاضعة لإدارة جبهة البوليساريو.
لم يكن اختيار عنوان الندوة، “الطفولة الإفريقية المسروقة: التجنيد ونزع السلاح وإعادة الإعمار بعد النزاعات”، مجرد توصيف إنساني، بل عكس تحولا متزايدا داخل الأوساط الحقوقية الدولية نحو التعامل مع قضية الأطفال في مناطق النزاع باعتبارها قضية أمن دولي بقدر ما هي قضية حقوق إنسان.
من المأساة الإنسانية إلى الإشكال القانوني
تجمع مختلف الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، على تحريم تجنيد القاصرين أو استغلالهم في الأعمال العسكرية أو إخضاعهم لأي شكل من أشكال التلقين الذي يحولهم إلى أدوات في الصراعات السياسية والعسكرية.

غير أن الإشكال الذي يطرحه واقع مخيمات تندوف يتجاوز مجرد الاتهامات المتكررة بشأن تجنيد الأطفال، ليصل إلى سؤال قانوني أكثر تعقيدا: من يتحمل المسؤولية القانونية عن حماية هؤلاء الأطفال؟
فمن منظور القانون الدولي، تبقى الجزائر، باعتبارها الدولة التي تستضيف المخيمات فوق أراضيها، ملزمة باحترام وتنفيذ التزاماتها الدولية المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الموجودين داخل إقليمها، بغض النظر عن الجهة التي تدير المخيمات ميدانيا. وهذه المسؤولية لا تنتقص منها الاعتبارات السياسية ولا خصوصية النزاع الإقليمي المرتبط بقضية الصحراء.
ولهذا السبب، ركز عدد من المتدخلين في ندوة جنيف على ضرورة فتح تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات المزعومة التي يتعرض لها الأطفال داخل المخيمات، مع الدعوة إلى تعزيز آليات الرقابة الدولية وضمان وصول المنظمات الأممية إلى السكان دون قيود.
شهادات تعيد الملف إلى الواجهة
الاهتمام الأكبر خلال الندوة انصب على شهادة حمادة لبيهي، الرئيس السابق للرابطة الصحراوية للديمقراطية وحقوق الإنسان وأحد المقيمين سابقا بمخيمات تندوف، والذي تحدث عن ما وصفه بعمليات ترحيل أطفال صحراويين إلى كوبا خلال سنوات سابقة، مرفوقة، بحسب شهادته، ببرامج تلقين أيديولوجي وتكوين ذي طابع عسكري، فضلا عن فصل الأطفال عن أسرهم لفترات طويلة.

ورغم أن مثل هذه الشهادات تستدعي بطبيعتها تحقيقات مستقلة للتحقق من جميع الوقائع، فإنها تعيد طرح إشكالية غياب آليات المراقبة الدولية الدائمة داخل المخيمات، وهو ما يجعل التحقق المستقل من الادعاءات أمرا بالغ الصعوبة.
التجنيد… جريمة تتجاوز حدود النزاع
استحضار الخبير الإفريقي إسحاق باكانيبونا لتجارب الأطفال الجنود في جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يكن اعتباطيا، بل جاء لتأكيد أن القارة الإفريقية راكمت خبرة مؤلمة في التعامل مع هذه الظاهرة.
فالدراسات الأممية تؤكد أن الطفل المجند لا يفقد فقط حقه في التعليم أو الحياة الأسرية، وإنما يصبح معرضا لاضطرابات نفسية عميقة تمتد آثارها لعقود، كما يتحول إلى عنصر هش داخل مجتمعه بعد انتهاء النزاعات، بما يعقد عمليات المصالحة وإعادة البناء.
أما الباحثة الجنوب سودانية أشول غارانغ أبين، فقد ربطت استمرار هذه الظواهر بغياب المساءلة الدولية، معتبرة أن الإفلات من العقاب يمثل البيئة الأكثر خصوبة لإعادة إنتاج الانتهاكات ضد الأطفال في مناطق النزاع.
مسؤولية الدولة المضيفة في ضوء القانون الدولي
أحد أهم النقاشات التي ميزت الندوة تمثل في التأكيد على أن وجود المخيمات فوق الأراضي الجزائرية يرتب التزامات قانونية واضحة على السلطات الجزائرية، سواء بموجب اتفاقية حقوق الطفل أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو قواعد القانون الدولي الإنساني.
ولا يتعلق الأمر فقط بضمان الأمن الغذائي أو الرعاية الصحية، وإنما أيضا بحماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال العسكري أو الأيديولوجي، وضمان حقهم في التعليم والهوية والحياة الأسرية، مع تمكين الهيئات الأممية المختصة من مراقبة أوضاعهم بشكل مستقل.
ويشير العديد من الخبراء في القانون الدولي إلى أن استمرار أي فراغ رقابي داخل المخيمات يضعف مصداقية منظومة الحماية الدولية، ويحول الفضاء الإنساني إلى منطقة يصعب إخضاعها للمساءلة القانونية.
التنمية كآلية للوقاية من التطرف
إلى جانب المقاربة الحقوقية، شهدت الندوة طرحا لمقاربة تنموية تعتبر أن الاستثمار في التعليم والبنيات الأساسية وخلق فرص الشغل يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من التطرف والاستغلال.
وفي هذا الإطار، استشهد عدد من المتدخلين بالدينامية التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، معتبرين أن الاستثمار في الرأسمال البشري يشكل أحد عناصر تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقليص قابلية الشباب والأطفال للاستقطاب داخل مناطق النزاع.
وتنسجم هذه المقاربة مع التوجهات الحديثة للأمم المتحدة التي أصبحت تنظر إلى التنمية المستدامة باعتبارها أحد مكونات الأمن الجماعي، وليس مجرد خيار اقتصادي.
نحو إعادة الاعتبار للطفل باعتباره أولوية إنسانية
تكشف المناقشات التي احتضنتها جنيف أن ملف الأطفال في مخيمات تندوف لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية النزاع السياسي حول الصحراء، بل أصبح جزءا من النقاش الدولي الأوسع حول حماية الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة.
وإذا كانت الوقائع والادعاءات المتداولة تستوجب، وفقا للمعايير الدولية، تحقيقات مستقلة وشفافة تكفل التحقق من جميع المزاعم، فإن الثابت هو أن حماية الطفل ينبغي أن تظل فوق كل الاعتبارات السياسية.
فالأطفال لا يصنعون النزاعات، لكنهم غالبا ما يدفعون أثمانها الأكثر قسوة. ومن هنا، فإن تعزيز آليات الرقابة الدولية، وتمكين المنظمات المختصة من الوصول الحر إلى المخيمات، وضمان المساءلة القانونية، تبقى شروطا أساسية لترجمة المبادئ الدولية إلى واقع ملموس، وصون حق الأطفال في الأمن والتعليم والأسرة والكرامة، بعيدا عن أي توظيف سياسي أو أيديولوجي.