اعتقال رئيس حزب “غروين” في أنتويرب… عندما تتحول القضية الفلسطينية إلى اختبار للديمقراطية البلجيكية
أمينة بنزعري
لم يعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط شأناً بعيداً عن العواصم الأوروبية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل النقاشات السياسية الداخلية، واختباراً حقيقياً لقدرة الديمقراطيات الغربية على التوفيق بين حرية التعبير، وحفظ النظام العام، والتزاماتها الدولية. وفي هذا السياق، شهدت مدينة أنتويرب مساء الإثنين محطة سياسية غير مسبوقة، بعد توقيف البرلماني الفيدرالي أيمن هورش، رئيس حزب “غروين” الفلمنكي، إلى جانب عدد من النشطاء، خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية تضامناً مع سكان قطاع غزة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام بلجيكية، فقد أوقفت الشرطة هورش و11 متظاهراً آخر قبل أن يتم الإفراج عنهم جميعاً خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، في حادثة تجاوزت بعدها الأمني لتتحول سريعاً إلى موضوع للنقاش السياسي والقانوني داخل بلجيكا.
احتجاج يتجاوز رمزية الشارع
الوقفة الاحتجاجية، التي نظمها “التحالف من أجل فلسطين في أنتويرب”، تزامنت مع الاجتماع الدوري لمجلس المدينة، وهو توقيت لم يكن اعتباطياً، بل حمل رسالة سياسية مباشرة إلى الأغلبية الحاكمة بقيادة حزب N-VA القومي الفلمنكي، بالشراكة مع حزب Vooruit الاشتراكي.
ولم يكن مطلب المحتجين مقتصراً على التنديد بالحرب في قطاع غزة، وإنما تمحور حول إزالة العلم الإسرائيلي المرفوع فوق مبنى البلدية واستبداله بعلم أبيض يرمز إلى السلام، باعتبار أن استمرار رفع العلم، في نظر المحتجين، يعكس موقفاً سياسياً لا ينسجم مع طبيعة مؤسسة يفترض أن تمثل جميع المواطنين، مهما اختلفت مواقفهم السياسية أو خلفياتهم الثقافية.
هذه المطالب تكشف أن الاحتجاج لم يعد موجهاً إلى السياسة الخارجية البلجيكية فحسب، بل أصبح يستهدف أيضاً الرموز السياسية التي تستخدمها المؤسسات المحلية للتعبير عن مواقفها من الأزمات الدولية.
أيمن هورش… انتقال الاحتجاج من المجتمع المدني إلى قلب المؤسسة السياسية
اللافت في هذه الواقعة أن الشخص الموقوف ليس ناشطاً مدنياً فحسب، بل رئيس حزب ممثل داخل البرلمان الفيدرالي، وهو ما يمنح الحادثة أبعاداً دستورية وسياسية أوسع.
فمشاركة مسؤول حزبي بهذا المستوى في احتجاج ميداني تؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد حكراً على الجمعيات المدنية أو المنظمات الحقوقية، بل أصبحت جزءاً من الصراع السياسي الداخلي بين الأحزاب البلجيكية نفسها، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتصاعد الضغوط الشعبية المرتبطة بالحرب في غزة.
كما تعكس هذه المشاركة تحوّلاً في طبيعة العمل السياسي الأوروبي، حيث بات قادة الأحزاب يلجؤون بصورة متزايدة إلى الحضور الميداني لإيصال رسائل سياسية مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف البرلمانية التقليدية.
معضلة الديمقراطية بين حرية الاحتجاج ومتطلبات الأمن
من الناحية القانونية، تظل السلطات الأمنية البلجيكية مطالبة بضمان النظام العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بتجمعات قد تؤدي إلى تعطيل السير العادي للمؤسسات العمومية أو تهديد الأمن.
غير أن توقيف نائب برلماني منتخب يطرح، في المقابل، تساؤلات حول حدود التدخل الأمني، ومدى احترام الحق في الاحتجاج السلمي الذي تكفله المواثيق الأوروبية والدستور البلجيكي.
وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية التي تواجه عدداً من الديمقراطيات الأوروبية منذ اندلاع الحرب في غزة، والمتمثلة في كيفية تحقيق التوازن بين حماية الفضاء العام وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، دون أن يُفهم أي تدخل أمني باعتباره تقييداً للحريات السياسية.
الحرب في غزة تعيد رسم الخريطة السياسية الأوروبية
من منظور جيوستراتيجي، تكشف هذه الحادثة أن تداعيات الحرب في غزة تجاوزت حدود الشرق الأوسط، لتصبح عاملاً مؤثراً في الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل أوروبا.
ففي بلجيكا، كما في عدد من الدول الأوروبية، برز انقسام واضح بين أحزاب تؤكد دعمها لإسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً، وأخرى تدعو إلى مراجعة هذا الموقف على ضوء التطورات الإنسانية في القطاع.
ويزداد هذا الانقسام تعقيداً في دولة اتحادية مثل بلجيكا، حيث تتداخل الانتماءات اللغوية والثقافية مع التوجهات السياسية، ما يجعل كل قضية خارجية قابلة للتحول إلى ملف داخلي شديد الحساسية.
أنتويرب… مدينة متعددة الهويات في قلب التجاذبات الدولية
ليست أنتويرب مدينة عادية في المشهد البلجيكي؛ فهي تمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية الأوروبية، كما تضم مجتمعاً متعدد الثقافات والأديان، الأمر الذي يجعلها أكثر حساسية تجاه القضايا الدولية ذات البعد الإنساني.
ومن ثم، فإن أي قرار يتعلق برفع علم أو إزالته فوق مبنى رسمي لا يُقرأ باعتباره مجرد إجراء بروتوكولي، بل يُفسَّر كرسالة سياسية لها انعكاسات مباشرة على التعايش المحلي، وعلى علاقة المؤسسات العمومية بمختلف مكونات المجتمع.
تكشف واقعة توقيف أيمن هورش أن الحرب في غزة لم تعد مجرد ملف للسياسة الخارجية، بل أصبحت اختباراً عملياً لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على إدارة التعددية السياسية، والتوفيق بين الأمن وحرية التعبير، وبين التضامن الإنساني ومتطلبات الحياد المؤسسي.
وبغض النظر عن الجدل الذي ستثيره هذه الحادثة داخل الأوساط السياسية والقانونية، فإنها تؤكد حقيقة جيوسياسية باتت أكثر وضوحاً: الأزمات الإقليمية الكبرى لم تعد تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل أصبحت تمتد إلى قلب المؤسسات الأوروبية، حيث تعيد صياغة النقاشات السياسية، وتختبر متانة النموذج الديمقراطي في مواجهة أزمات عالمية متشابكة.