بين أمجاد المونديال وأسئلة سبتة: حين تصطدم الصورة بالواقع

بوشعيب البازي

قبل ايام قليلة، عاش المغرب لحظة تاريخية صنعتها إنجازات المنتخب الوطني في كأس العالم، فتحولت الراية المغربية إلى رمز للفخر داخل البلاد وخارجها، وتجاوز التشجيع حدود الجغرافيا ليجد المنتخب المغربي دعماً من جماهير عربية وإفريقية وحتى أوروبية. كان ذلك الإنجاز الرياضي مناسبة عززت صورة المغرب كبلد قادر على تحقيق الاستثناء، ورسخت سردية النجاح والطموح والانتماء.

غير أن الدول لا تُقاس فقط بما تحققه في الملاعب، بل كذلك بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، والاستجابة لأزماتهم، وتوفير شروط العيش الكريم. فالأحداث التي شهدتها سبتة أعادت إلى الواجهة أسئلة أكثر عمقاً من أي انتصار رياضي، وأسقطت الضوء على واقع اجتماعي واقتصادي لا يمكن تجاهله أو اختزاله في خطابات التفاؤل.

إن مشاهد الشباب الذين خاطروا بحياتهم في محاولة للوصول إلى الضفة الأخرى لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل تعبيراً عن أزمة ثقة متنامية لدى فئة من المواطنين الذين باتوا يرون مستقبلهم خارج وطنهم. فالهجرة غير النظامية ليست قراراً سهلاً، بل غالباً ما تكون نتيجة تراكم الإحباطات الناتجة عن البطالة، وغلاء المعيشة، وتراجع فرص الارتقاء الاجتماعي، والشعور بعدم تكافؤ الفرص.

ولا يمكن لأي قراءة موضوعية أن تفصل هذه الظاهرة عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. فحين يصبح البحر في نظر البعض أقل خطراً من البقاء، فإن ذلك يستدعي وقفة وطنية صادقة تتجاوز لغة التبرير والإنكار إلى البحث عن الأسباب الحقيقية ومعالجتها.

وفي المقابل، أثار تعامل الحكومة مع هذه الأحداث، من حيث التواصل مع الرأي العام وطمأنة الأسر وتقديم توضيحات كافية، الكثير من الانتقادات. ففي الأزمات الكبرى، لا يكفي الصمت أو البيانات المقتضبة، لأن المواطنين ينتظرون خطاباً واضحاً، ومصارحة مسؤولة، وإجراءات عملية تعكس إدراكاً لحجم المأساة. إن غياب التواصل الفعال يفتح الباب أمام الإشاعات، ويعمق فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ولا يتعلق الأمر بإدانة جهة بعينها بقدر ما يتعلق بترسيخ مبدأ المساءلة السياسية. ففي الأنظمة الحديثة، تتحمل الحكومات مسؤولية إدارة الأزمات، وتقديم الإجابات، وتقييم الاختلالات، ومحاسبة المقصرين عند الاقتضاء. أما الاكتفاء بالصمت، فإنه لا يبدد الأسئلة، بل يزيدها إلحاحاً.

إن بناء صورة إيجابية للدول في الخارج لا يتحقق فقط عبر الإنجازات الرياضية أو الحملات الإعلامية، وإنما عبر نجاح السياسات العمومية في تحسين حياة المواطنين. فالصورة التي يصنعها المواطن وهو يشعر بالأمان والكرامة والاستقرار أقوى بكثير من أي حملة دعائية، كما أن صورة الشباب وهم يخاطرون بحياتهم بحثاً عن مستقبل آخر تترك أثراً عميقاً يصعب محوه.

لقد أثبت المغاربة في مناسبات كثيرة أنهم قادرون على الالتفاف حول وطنهم عندما يشعرون بأن مؤسساته تنصت إليهم وتحترم تطلعاتهم. غير أن الحفاظ على هذا الرصيد الوطني يتطلب إصلاحات حقيقية تعالج جذور الإحباط، وتوفر فرصاً عادلة للشباب، وتعزز الثقة في المؤسسات، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدالة الاجتماعية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن مأساة سبتة يجب ألا تُختزل في أرقام أو صور عابرة، بل ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة السياسات العمومية وتقييم أثرها على حياة المواطنين. فالمستقبل الذي يبحث عنه الشباب خارج الحدود هو في الأصل مسؤولية يجب أن يُصنع داخل الوطن، حتى يصبح البقاء فيه خياراً نابعاً من الأمل، لا الهجرة منه هرباً من اليأس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com