الدولة الاجتماعية في المغرب: حين تصبح جودة الخدمات معيارًا لنجاح الإصلاح

يوسف لفرج

يشهد مشروع الدولة الاجتماعية في المغرب انتقالًا نوعيًا من مرحلة التوسع الكمي في البرامج الاجتماعية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا ترتكز على تقييم الأثر الفعلي لهذه البرامج في حياة المواطنين. فبعد سنوات من إطلاق إصلاحات كبرى شملت تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية وإرساء آليات الدعم الاجتماعي، أصبح الرهان الحقيقي يتمثل في جودة الخدمات العمومية، باعتبارها المؤشر الأكثر دقة على نجاح السياسات العمومية وقدرتها على تعزيز الثقة في المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

ويؤكد التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2025 أن نجاح الدولة الاجتماعية لم يعد يقاس بحجم الاعتمادات المالية أو بعدد المستفيدين من البرامج، بل بمدى انعكاس هذه الإصلاحات على جودة التعليم، وكفاءة المنظومة الصحية، وفعالية الدعم الاجتماعي، وتحسين ظروف السكن، بما يفضي إلى رفع جودة الحياة وتعزيز الشعور بالإنصاف بين مختلف الفئات والمجالات الترابية.

هذا التحول يعكس تطورًا في فلسفة التدبير العمومي، حيث أصبحت النجاعة والنتائج الملموسة معيارًا أساسيًا لتقييم الأداء العمومي. فشرعية السياسات الحكومية لم تعد تستمد فقط من إطلاق المبادرات أو ضخ الموارد المالية، وإنما من قدرتها على تحقيق أثر قابل للقياس في حياة المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ الثقة في المؤسسات.

وفي هذا الإطار، يبرز الحوار الاجتماعي باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لضمان استدامة الإصلاحات. فقد عرف عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم والصحة والتعليم العالي، استمرارًا لمسار الحوار بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، بما ساهم في الحفاظ على قنوات التشاور ومواصلة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وفي مقدمتها الزيادات في أجور موظفي القطاع العام، إلى جانب مواصلة إصلاحات مرتبطة بمنظومة الشغل والتقاعد والإطار القانوني المنظم لممارسة حق الإضراب.

ويكتسي إصدار القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى محاولته تحقيق توازن بين صيانة حق دستوري أصيل وضمان استمرارية المرافق العمومية والخدمات الأساسية. غير أن نجاح هذا الإطار التشريعي سيظل رهينًا بحسن تنزيله، وبقدرته على توفير الأمن القانوني لجميع الأطراف، والحد من أسباب الاحتقان الاجتماعي قبل تفاقمها.

أما في القطاع الصحي، فإن توسيع الاستفادة من التغطية الصحية لن يحقق أهدافه الاستراتيجية ما لم يواكبه تطوير حقيقي للبنية الصحية الوطنية، سواء عبر تعزيز الموارد البشرية، أو تحسين جاذبية المؤسسات الصحية العمومية، أو ضمان ولوج المواطنين إلى الأدوية والتجهيزات الطبية، فضلًا عن تسريع التحول الرقمي بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتبسيط مسارات العلاج.

ولا يختلف الأمر بالنسبة لقطاع التعليم، حيث يؤكد التقرير أن التحدي لم يعد مرتبطًا فقط بتعميم التمدرس، وإنما بتحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، ومواءمة منظومة التربية والتكوين مع التحولات الاقتصادية وسوق الشغل، بما يرفع فرص الإدماج المهني للشباب ويعزز الرأسمال البشري الوطني.

وفي مجال الدعم الاجتماعي المباشر، يبرز توجه جديد يقوم على تحسين دقة الاستهداف ورفع كفاءة الإنفاق الاجتماعي، مع إخضاع البرامج لتقييم دوري يقيس أثرها الحقيقي على الأسر المستفيدة، بدل الاكتفاء بمؤشرات التغطية العددية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن فعالية السياسات الاجتماعية ترتبط بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة، لا بمجرد توسيع قاعدة المستفيدين.

كما يلفت التقرير الانتباه إلى أهمية تطوير السياسة السكنية من منظور أشمل، يجعل من السكن عنصرًا ضمن منظومة متكاملة تشمل النقل، وفرص الشغل، والمؤسسات التعليمية، والخدمات الصحية، والمرافق العمومية، بما يضمن تحسين جودة المجال العمراني ويرفع مستوى العيش داخل المدن والمراكز الحضرية والقروية.

وفي الجانب الاقتصادي، يبرز التقرير ضرورة تعزيز فعالية آليات حماية القدرة الشرائية، عبر إصلاح مسالك التوزيع والتسويق، والحد من مظاهر الريع، وتشديد الرقابة على الممارسات المخلة بالمنافسة، وضمان توجيه الدعم العمومي إلى الفئات المستحقة بكفاءة وشفافية أكبر.

ومن بين المؤشرات الاجتماعية التي تستدعي مزيدًا من الاهتمام استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال، رغم التراجع الملحوظ في أعداد الأطفال العاملين خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد التقرير أن هذه الظاهرة لا تزال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالانقطاع عن الدراسة، الأمر الذي يجعل من الدعم الاجتماعي، إلى جانب تحسين جودة التعليم ومحاربة الهدر المدرسي، أدوات أساسية لمعالجة هذه الإشكالية من جذورها.

إن الرسالة الأساسية التي يحملها التقرير تتمثل في أن الدولة الاجتماعية دخلت مرحلة النضج المؤسساتي، حيث لم يعد معيار النجاح هو إطلاق البرامج أو توسيع نطاقها، بل تحويلها إلى خدمات عمومية ذات جودة عالية، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتعزيز الثقة في المؤسسات. فالتنمية المستدامة لا تتحقق بمجرد زيادة الإنفاق العمومي، وإنما بحسن توظيف الموارد، ورفع كفاءة التدبير، واعتماد سياسات قائمة على التقييم والمساءلة وتحقيق النتائج.

وبذلك، فإن مستقبل الدولة الاجتماعية في المغرب سيكون رهينًا بقدرتها على الانتقال من منطق تعميم الاستفادة إلى منطق جودة الأداء والأثر الاجتماعي، بما يكرس نموذجًا تنمويًا أكثر عدالة، ويعزز التماسك المجتمعي، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قوامه الكفاءة والإنصاف والاستدامة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com