بلجيكا: عندما تتحول تبرعات المرضى المحتضرين إلى سيارات مرسيدس… أزمة ثقة تهز القطاع الخيري

أمينة بنزعري

Screenshot

لا تُقاس قوة الدول الحديثة فقط بمتانة مؤسساتها السياسية أو بحجم اقتصادها، بل كذلك بقدرتها على حماية الثقة العامة في المؤسسات التي تعمل عند تقاطع العمل الاجتماعي والمال العمومي. ومن هذا المنطلق، لا تبدو قضية جمعية MOPA، المتخصصة في الرعاية التلطيفية للمسلمين في بلجيكا، مجرد ملف جنائي يتعلق بشبهة اختلاس أموال أو إساءة استعمال منح عمومية، بل تكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بحوكمة القطاع غير الربحي، وآليات الرقابة على التمويل العمومي، ومستقبل العلاقة بين الدولة والجمعيات ذات الطابع الديني أو المجتمعي.

فالتحقيق الذي فتحته السلطات البلجيكية ضد لطيفة ج.، بعد الاشتباه في تحويل جزء من المنح العمومية والتبرعات إلى نفقات شخصية، يمثل اختبارًا حقيقيًا لمنظومة الشفافية التي طالما قدمتها بلجيكا باعتبارها أحد أعمدة نموذجها الاجتماعي.

من الرعاية التلطيفية إلى شبهات الإثراء الشخصي

يصعب على الرأي العام تقبل أن الأموال التي تبرع بها مواطنون بهدف تخفيف معاناة مرضى في مراحلهم الأخيرة من الحياة، أو تلك التي خصصتها السلطات المحلية لدعم خدمات الرعاية الصحية، قد تكون استُخدمت في اقتناء سيارات فاخرة أو تمويل نمط عيش بعيد كل البعد عن الرسالة الإنسانية للجمعية.

ووفق المعطيات التي ظهرت خلال التحقيق، فإن الشرطة القضائية الفيدرالية صادرت سيارات فاخرة، ومقتنيات ثمينة، إضافة إلى مبلغ نقدي يقارب مائة ألف يورو، في وقت تشير فيه الشبهات إلى استخدام حساب مصرفي شخصي لتلقي التبرعات وتحويل جزء من الأموال العمومية إلى مصاريف خاصة.

وبصرف النظر عن المآل القضائي للقضية، فإن مجرد وجود مثل هذه المؤشرات يطرح أسئلة مؤسساتية تتجاوز المسؤولية الفردية، لتشمل منظومة المراقبة المالية برمتها.

أكثر من فضيحة مالية… خلل في منظومة الرقابة

تكشف هذه القضية أن الإشكال لا يتعلق فقط باحتمال وقوع تجاوزات مالية، بل أيضًا بقدرة المؤسسات العمومية على اكتشافها في الوقت المناسب.

فالجمعية استفادت، منذ سنة 2020، من تمويلات تجاوزت 1.2 مليون يورو من مدينة أنتويرب، قبل أن يؤدي بلاغ مجهول إلى فتح تحقيق أفضى إلى وقف الدعم واسترجاع جزء من الأموال.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف مرت سنوات من التمويل العمومي دون أن تُرصد هذه الاختلالات، إن ثبتت قضائيًا؟

إن التأخر في اكتشاف التجاوزات، إن صحّ، لا يضعف فقط صورة الجمعية، بل يسلط الضوء على الحاجة إلى مراجعة آليات التدقيق المالي والافتحاص الدوري، خصوصًا بالنسبة للمؤسسات التي تدير أموالًا عمومية وتبرعات خاصة في آن واحد.

الثقة… رأس المال الحقيقي للجمعيات

يقوم العمل الخيري على عنصر لا يمكن تعويضه بالمال، هو الثقة.

فعندما يتبرع المواطن لمؤسسة تعنى بالمرضى أو بالفئات الهشة، فإنه لا يشتري خدمة، بل يمنحها تفويضًا أخلاقيًا لإدارة جزء من تضامنه الإنساني.

ولهذا، فإن أي شبهة تتعلق بسوء تدبير تلك الأموال لا تضر فقط بالجمعية المعنية، بل قد تمتد آثارها إلى مئات الجمعيات الجادة التي تشتغل يوميًا في صمت وتلتزم بمعايير الحكامة والشفافية.

وتاريخيًا، تُظهر التجارب الأوروبية أن الفضائح المالية داخل القطاع غير الربحي غالبًا ما تؤدي إلى تراجع التبرعات وتشديد شروط التمويل، بما ينعكس سلبًا على المستفيدين الحقيقيين من الخدمات الاجتماعية.

البعد الجيوستراتيجي للقضية

قد تبدو القضية للوهلة الأولى شأناً محلياً، لكنها تحمل أبعادًا أوسع.

ففي السنوات الأخيرة، كثفت الدول الأوروبية إجراءات الرقابة على الجمعيات، خصوصًا تلك التي تنشط في المجالات الدينية أو الاجتماعية الحساسة، ضمن سياسة أوسع تستهدف تعزيز الشفافية المالية ومنع إساءة استخدام الأموال العامة أو التبرعات.

ومن ثم، فإن أي قضية من هذا النوع تمنح أنصار تشديد الرقابة حججًا إضافية للمطالبة بمزيد من القيود الإدارية والمالية، وهو ما قد ينعكس على مجمل النسيج الجمعوي، وليس فقط على المؤسسة موضوع التحقيق.

كما أن هذه الملفات تؤثر في النقاش الأوروبي حول كيفية تحقيق التوازن بين دعم المبادرات المجتمعية وضمان أعلى مستويات المساءلة والحوكمة.

بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية الأخلاقية

يبقى القضاء وحده المخول له تحديد المسؤوليات الجنائية وإثبات الوقائع وفقًا لمبدأ قرينة البراءة، وهو مبدأ أساسي في دولة القانون. غير أن المسؤولية الأخلاقية والمؤسساتية تظل قائمة، لأنها تتعلق بكيفية إدارة المال العام، وبالضمانات التي تمنع تضارب المصالح أو غياب الرقابة الفعالة.

وفي هذا السياق، تبدو مراجعة منظومة تمويل الجمعيات وآليات الافتحاص المستقل ضرورة أكثر منها خيارًا، ليس بدافع التشكيك في العمل الخيري، بل حفاظًا على مصداقيته واستدامته.

لا تختزل قضية MOPA في مصير شخص أو جمعية، بل تعكس تحديًا أوسع يواجه الديمقراطيات الأوروبية: كيف يمكن تشجيع المبادرات المدنية والإنسانية مع ضمان رقابة صارمة على الأموال العامة والتبرعات الخاصة؟

إن الحفاظ على الثقة في القطاع غير الربحي يقتضي معايير شفافية لا تقل صرامة عن تلك المفروضة على المؤسسات العمومية. فحين يشعر المتبرع بأن مساهمته قد تنتهي في تمويل مظاهر الرفاه الشخصي بدل رعاية المرضى المحتضرين، فإن الخسارة لا تكون مالية فحسب، بل تصيب أحد أهم مقومات التضامن الاجتماعي: الثقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com