من بروكسل إلى الدار البيضاء… عندما يوحّد المنتخب المغاربة وتتحول الجالية إلى قوة ناعمة للمملكة
بوشعيب البازي
لم يكن الانتصار العريض الذي حققه المنتخب المغربي على نظيره الكندي بثلاثة أهداف دون رد، والتأهل إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم، مجرد إنجاز رياضي جديد يضاف إلى سجل “أسود الأطلس”، بل شكل حدثًا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا امتدت أصداؤه إلى خارج الحدود الوطنية، حيث عاشت الجالية المغربية في بلجيكا، ولاسيما في بروكسل، ليلة استثنائية اختلطت فيها مشاعر الفخر بالانتماء، وتحولت شوارع العاصمة الأوروبية إلى فضاء مفتوح للاحتفال بالهوية المغربية.
فور إعلان صافرة النهاية، خرج آلاف المغاربة، بمختلف أعمارهم، إلى الساحات والشوارع الرئيسية، رافعين الأعلام الوطنية ومرددين الأهازيج التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية لكرة القدم المغربية. لم تكن تلك المشاهد مجرد احتفالات عفوية بفوز كروي، بل عكست حجم الارتباط الوجداني الذي لا تزال تحافظ عليه الجالية المغربية مع وطنها الأم، رغم عقود من الاستقرار والإقامة في أوروبا.
لقد أثبتت التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أن كرة القدم أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة. فالنجاحات الرياضية لم تعد تُقاس بعدد الأهداف أو الألقاب فقط، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل صورة المغرب في الخارج، وتعزيز حضوره داخل المجتمعات الأوروبية، خصوصًا تلك التي تضم جاليات مغربية كبيرة.

وتُعد بلجيكا نموذجًا واضحًا لهذه الدينامية. فالمغاربة يشكلون إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد، ويتمتعون بحضور اقتصادي واجتماعي وثقافي مؤثر. ومع كل إنجاز يحققه المنتخب الوطني، يتحول هذا الامتداد البشري إلى جسر حضاري يعكس صورة مغرب حديث، واثق من نفسه، قادر على المنافسة في أكبر المحافل الدولية.
فإن هذه الاحتفالات تحمل دلالات تتجاوز بعدها الرياضي. فالدول المعاصرة أصبحت تدرك أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر القوة الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضًا من خلال التأثير الثقافي والرمزي. وفي هذا السياق، أصبحت الجاليات الوطنية المقيمة بالخارج أحد أهم روافع السياسة الخارجية، باعتبارها تمثل امتدادًا طبيعيًا للدولة داخل المجتمعات المضيفة.
لقد أظهرت شوارع بروكسل أن الهوية المغربية ليست مجرد انتماء قانوني أو تاريخي، بل هي شعور جماعي يتجدد كلما رفع المنتخب الوطني راية البلاد في المحافل الدولية. فالمشهد الذي رسمته آلاف العائلات المغربية وهي تحتفل بشكل حضاري، رافعة العلم الوطني، يعكس مستوى الاندماج الإيجابي الذي لا يتعارض مع التشبث بالجذور والانتماء الوطني.

كما أن هذا التفاعل الشعبي يؤكد نجاح النموذج المغربي في الحفاظ على روابطه مع أفراد الجالية، سواء عبر المؤسسات الرسمية أو من خلال الرمزية التي يمثلها المنتخب الوطني، الذي أصبح بمثابة سفير للمملكة في الملاعب العالمية، وقاطرة لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية بين المغاربة داخل الوطن وخارجه.
ولم تكن فرحة مغاربة بلجيكا مجرد احتفال بنتيجة مباراة، بل كانت احتفاءً بقصة نجاح وطنية. فقد وجد أبناء الجيلين الثاني والثالث، الذين وُلد كثير منهم في أوروبا، أنفسهم جزءًا من ملحمة جماعية تعيد تعريف العلاقة مع الوطن الأم، ليس باعتباره ذاكرة عائلية فقط، بل باعتباره مصدرًا للفخر والاعتزاز والإنجاز.
إن ما شهدته بروكسل عقب هذا الفوز يؤكد مرة أخرى أن الرياضة أصبحت لغة دبلوماسية عالمية قادرة على تجاوز الحدود والاختلافات الثقافية. فالمنتخب المغربي لا يمثل أحد عشر لاعبًا فوق أرضية الميدان فحسب، بل يحمل معه آمال ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم، الذين يجدون في كل انتصار مناسبة لإعادة التأكيد على وحدة الهوية الوطنية.
لقد تجاوزت فرحة الجالية المغربية في بلجيكا حدود الاحتفال الكروي، لتتحول إلى رسالة حضارية تؤكد أن المغرب، بقيمه وتاريخه وإنجازاته، حاضر بقوة في وجدان أبنائه أينما وجدوا. وبين شوارع بروكسل وساحات الرباط والدار البيضاء وطنجة، بدا واضحًا أن المسافات الجغرافية تتلاشى عندما يتعلق الأمر براية الوطن، وأن المنتخب الوطني أصبح اليوم أحد أبرز رموز القوة الناعمة المغربية، وأحد أهم العوامل الجامعة لمغاربة العالم حول مشروع وطني واحد، عنوانه: الاعتزاز بالمغرب والانتماء إليه.