بين الشرعية التاريخية والتحالف الجيوستراتيجي.. لماذا تزداد الشراكة المغربية الأمريكية رسوخاً؟
بقلم: بوشعيب البازي
لم تكن برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمناسبة الذكرى المائتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة مجرد رسالة بروتوكولية تندرج ضمن الأعراف الدبلوماسية المعتادة، بل حملت في مضامينها إشارات سياسية واستراتيجية تعكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تربط الرباط بواشنطن، وهي علاقة تجاوزت منذ زمن طويل حدود التحالف التقليدي لتتحول إلى شراكة متعددة الأبعاد، تستند إلى التاريخ والمصالح المشتركة والرؤية المتقاربة تجاه قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي.
فالرسائل الملكية، في العرف الدبلوماسي المغربي، لا تُقرأ فقط من زاوية المناسبة، وإنما من خلال توقيتها ودلالاتها السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن تثمين الملك محمد السادس لمسار العلاقات الثنائية، والإشارة الصريحة إلى الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء باعتباره قراراً سيظل “منقوشاً في ذاكرة المغاربة”، يعكس أن هذا الملف أصبح جزءاً من البناء الاستراتيجي للعلاقة المغربية الأمريكية، وليس مجرد قرار ظرفي مرتبط بإدارة سياسية بعينها.
تحالف يتجاوز تبدل الإدارات
من أبرز الخصائص التي تميز العلاقات المغربية الأمريكية أنها لم تكن رهينة تغير الإدارات داخل البيت الأبيض. فمنذ اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، ثم توقيع معاهدة السلام والصداقة سنة 1786، ظلت هذه العلاقة تحافظ على استمراريتها رغم التحولات الكبرى التي عرفها النظام الدولي.
هذا الثبات لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تقاطع دائم للمصالح الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تنظر إلى المغرب باعتباره أحد أكثر الشركاء استقراراً في منطقة تتسم بتقلبات أمنية وجيوسياسية متسارعة، بينما يرى المغرب في واشنطن شريكاً قادراً على مرافقة تحوله الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، والدفاع عن مصالحه داخل المؤسسات الدولية.
ولذلك فإن تأكيد الملك محمد السادس على متانة هذه العلاقة يحمل في جوهره رسالة مفادها أن التحالف المغربي الأمريكي أصبح مؤسسة استراتيجية قائمة بذاتها، تتجاوز الحسابات الحزبية داخل الولايات المتحدة.
الصحراء المغربية… من الاعتراف السياسي إلى المعادلة الجيوسياسية
أعاد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020 رسم جزء مهم من التوازنات داخل شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
فهذا الاعتراف لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل شكل تحولا في الرؤية الأمريكية تجاه المنطقة، حيث باتت واشنطن تعتبر أن استقرار المغرب ووحدة أراضيه يمثلان ركيزة لاستقرار غرب إفريقيا والواجهة الأطلسية للقارة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الملك محمد السادس على استحضار هذا القرار في برقيته، باعتباره محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الثنائية، ورسالة تؤكد أن هذا المكسب أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية المغربية ومن الرصيد الاستراتيجي الذي يصعب التراجع عنه.
كما أن الدعم المتواصل داخل الكونغرس الأمريكي للشراكة مع المغرب يعكس وجود توافق واسع داخل المؤسسات الأمريكية بشأن أهمية المملكة كشريك استراتيجي، بعيداً عن التجاذبات السياسية الداخلية.
المغرب… منصة أمنية في إفريقيا
خلال العقدين الأخيرين تغيرت النظرة الأمريكية إلى المغرب بصورة لافتة.
فبعد أن كان ينظر إليه باعتباره حليفاً تاريخياً، أصبح اليوم يمثل منصة عملياتية للأمن الإقليمي، وقاعدة متقدمة للتنسيق العسكري والاستخباراتي في إفريقيا.
ويبرز هذا التحول من خلال مناورات “الأسد الإفريقي”، التي أصبحت أكبر تمرين عسكري متعدد الجنسيات تنظمه الولايات المتحدة في القارة الإفريقية، حيث تحولت الأراضي المغربية إلى فضاء لاختبار العقائد العسكرية الجديدة، والتنسيق بين الجيوش، وتطوير القدرات المشتركة في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية.
ولا يقتصر التعاون العسكري على التدريبات المشتركة، بل يشمل تحديث القدرات الدفاعية المغربية، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة في البلدين.
كما أن صفة المغرب كشريك رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي تمنحه مكانة خاصة داخل المنظومة الأمنية الأمريكية، وتجعله أحد أهم الفاعلين الأمنيين في الضفة الجنوبية للمتوسط.
من مكافحة الإرهاب إلى الأمن السيبراني
لم تعد التهديدات الأمنية المعاصرة تقتصر على التنظيمات الإرهابية أو النزاعات المسلحة التقليدية.
فالحروب السيبرانية، والهجمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي العسكري، وحماية البنى التحتية الحيوية، أصبحت تشكل عناصر أساسية في العقيدة الأمنية للدول الكبرى.
وفي هذا السياق، يبدو أن التعاون المغربي الأمريكي يتجه نحو مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق الاستخباراتي التقليدي، لتشمل مجالات الأمن الرقمي، والفضاء الإلكتروني، والابتكار العسكري، وتبادل الخبرات في مواجهة التهديدات الهجينة.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب، الذي يجعله نقطة ارتكاز بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، وهو ما يمنحه قيمة استراتيجية متزايدة داخل الحسابات الأمريكية.
البعد الاقتصادي… رهان المستقبل
ورغم الحضور القوي للتعاون الأمني والعسكري، فإن مستقبل العلاقات الثنائية سيكون رهيناً بالشق الاقتصادي والتكنولوجي.
فالمغرب يظل الدولة الإفريقية الوحيدة المرتبطة باتفاقية تبادل حر مع الولايات المتحدة، وهي اتفاقية ساهمت في رفع حجم المبادلات التجارية، لكنها ما تزال تملك إمكانات أكبر في مجالات الاستثمار، والصناعات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي.
كما أن المشاريع الكبرى التي يطلقها المغرب في مجالات الهيدروجين الأخضر، والصناعات الجوية، والطاقات المتجددة، والربط الأطلسي الإفريقي، تفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات الأمريكية لتعزيز حضورها داخل السوق المغربية ومنها نحو العمق الإفريقي.
إن قراءة العلاقات المغربية الأمريكية بمنطق الأحداث الظرفية لا تكفي لفهم طبيعة هذا التحالف.
فالرباط وواشنطن انتقلتا اليوم إلى مستوى جديد من الشراكة، يقوم على إدارة مشتركة للمصالح الاستراتيجية، وليس فقط على التعاون الثنائي.
وقد نجح الملك محمد السادس، عبر رؤية دبلوماسية طويلة النفس، في تحويل المغرب إلى فاعل موثوق داخل الحسابات الغربية، وإلى شريك يحظى بثقة متزايدة في ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإفريقي، والاقتصاد العالمي.
وفي عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى، تبدو الشراكة المغربية الأمريكية مرشحة لأن تصبح أحد أهم محاور الاستقرار في الفضاء الأطلسي والإفريقي، ليس فقط لأنها تستند إلى أقدم علاقة دبلوماسية في تاريخ الولايات المتحدة، بل لأنها نجحت في الانتقال من إرث التاريخ إلى صناعة المستقبل.