وفاة عبد الرحيم فقير في إيطاليا.. عندما تتحول عملية توقيف إلى قضية رأي عام واختبار لدولة القانون

العلكي سومية

أعادت وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 42 سنة، بمدينة بولونيا الإيطالية، النقاش إلى صدارة المشهد الأوروبي حول حدود استخدام القوة من قبل أجهزة إنفاذ القانون، ومدى احترام المعايير الدولية أثناء التعامل مع الأشخاص الذين يكونون في حالات اضطراب أو هيجان. فالحادث، الذي تخضع ملابساته لتحقيق قضائي مفتوح، لم يعد مجرد واقعة جنائية معزولة، بل تحول إلى قضية رأي عام أثارت تفاعلات سياسية وحقوقية واسعة داخل إيطاليا وخارجها.

وقد ساهم انتشار تسجيلات مصورة التقطها شهود عيان في تصاعد الجدل، بعدما أظهرت الضحية مثبتا على الأرض لعدة دقائق، وهو يردد بصوت خافت كلمات استغاثة قبل أن يفقد وعيه. وبغض النظر عما ستخلص إليه التحقيقات القضائية، فإن المشاهد المتداولة طرحت أسئلة عميقة حول مدى ملاءمة الإجراءات الأمنية المتخذة، وحول مسؤولية مختلف المتدخلين في ضمان سلامة الشخص الخاضع للتوقيف.

قضية تتجاوز حدود الحادث الفردي

تشير المعطيات الأولية إلى أن تدخل الشرطة جاء عقب بلاغ يتعلق بوجود شخص في حالة اضطراب شديد. غير أن الطريقة التي انتهت بها عملية التدخل، والتي أفضت إلى وفاة الموقوف، دفعت النيابة العامة الإيطالية إلى فتح تحقيق شامل، مع وضع تسجيلات الكاميرات المحمولة لعناصر الشرطة رهن إشارة القضاء من أجل إعادة بناء الوقائع بدقة وتحديد المسؤوليات إن ثبت وجود تقصير أو مخالفة للقانون.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل تنامي المطالب المجتمعية بإخضاع تدخلات الشرطة لرقابة قضائية مستقلة، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويضمن عدم الإفلات من المحاسبة، أيا كانت صفة الأطراف المعنية.

بروتوكولات التثبيت الجسدي تحت المجهر

أعادت القضية أيضا النقاش حول تقنية “التثبيت البطني”، وهي وسيلة سبق أن أثارت جدلا واسعا في عدة دول أوروبية بسبب ما قد ينجم عنها من مخاطر صحية، خصوصا إذا استمرت لفترة طويلة أو مورست على أشخاص يعانون من اضطرابات صحية أو نفسية.

وتعتبر العديد من الهيئات الحقوقية أن استعمال هذه التقنية يقتضي تكوينا متخصصا وتقييما مستمرا لحالة الشخص الخاضع للتوقيف، مع ضرورة التدخل الطبي الفوري عند ظهور أي مؤشرات على صعوبة التنفس أو فقدان الوعي. كما سبق أن تناولت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عدد من أحكامها مسؤولية الدول في حماية حياة الأشخاص الموجودين تحت سيطرة السلطات العمومية، وضرورة احترام مبدأ التناسب في استخدام القوة.

وفي هذا السياق، رأى عدد من المختصين في حقوق الإنسان أن وفاة عبد الرحيم فقير تستوجب مراجعة شاملة للبروتوكولات المعتمدة أثناء عمليات التوقيف، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص يوجدون في حالة اضطراب تستدعي تدخلا أمنيا وطبيا متزامنا.

تفاعل سياسي غير مسبوق

لم يقتصر صدى القضية على الأوساط الحقوقية، بل امتد إلى أعلى المستويات السياسية في إيطاليا. فقد دعت رئيسة الحكومة إلى كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات بكل شفافية، فيما طالب مسؤولون محليون وبرلمانيون بإجراء تحقيق مستقل يبدد كل الشكوك التي أثيرت عقب انتشار مقاطع الفيديو.

Screenshot

كما شهدت مدينة بولونيا مسيرات احتجاجية شارك فيها مواطنون إيطاليون وأفراد من الجالية المغربية، رفعوا خلالها شعارات تطالب بالعدالة والشفافية، معتبرين أن حماية الأمن العام لا يمكن أن تتم على حساب الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

ويعكس هذا التفاعل السياسي والمجتمعي حساسية العلاقة بين مقتضيات الأمن واحترام الحقوق الأساسية، وهي معادلة تواجهها معظم الديمقراطيات الأوروبية في ظل تصاعد النقاش حول إصلاح أجهزة الشرطة وأساليب تدخلها.

عبد الرحيم فقير… سيرة اندماج انتهت بمأساة

بحسب المعطيات المتداولة، فإن عبد الرحيم فقير استقر بإيطاليا منذ طفولته، حيث تابع دراسته وبنى حياته المهنية والاجتماعية داخل المجتمع الإيطالي. وتؤكد شهادات مقربين منه ومحامين سبق أن واكبوا ملفه الإداري أنه كان يعيش حياة اعتيادية رغم الصعوبات المرتبطة بوضعه الإداري، وهو ما جعل وفاته تثير تعاطفا واسعا داخل الأوساط المدنية والحقوقية.

Screenshot

وترى عائلته أن القضية لا تتعلق فقط بوفاة أحد أفرادها، وإنما بمبدأ أساسي يتمثل في حق كل إنسان في أن يحظى بالحماية حتى وهو موضوع تدخل أمني، وأن تبقى الدولة مسؤولة عن سلامته منذ لحظة تقييد حريته وحتى انتهاء الإجراءات القانونية.

الدبلوماسية المغربية ومواكبة الملف

من جهتها، أعلنت سفارة المملكة المغربية في إيطاليا متابعتها الدقيقة للقضية منذ الساعات الأولى، مؤكدة تعبئة المصالح القنصلية لمواكبة أسرة الفقيد وتقديم الدعم القانوني والإداري اللازم، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع السلطات الإيطالية المختصة.

ويعكس هذا التحرك حرص الدبلوماسية المغربية على حماية حقوق المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج، مع احترام استقلال القضاء الإيطالي وثقتها في قدرته على كشف الحقيقة وترتيب الآثار القانونية التي قد تترتب عن نتائج التحقيق.

العدالة وحدها الكفيلة بإغلاق الجرح

تكشف قضية عبد الرحيم فقير مرة أخرى أن الثقة في مؤسسات إنفاذ القانون لا تُبنى فقط على قدرتها على حفظ الأمن، وإنما أيضا على خضوعها للمساءلة كلما أثيرت شبهات بوقوع تجاوزات. فسيادة القانون تقتضي أن تكون أجهزة الدولة نفسها أول من يحتكم إلى القانون، وأن تبقى حياة الإنسان وكرامته في صدارة الأولويات.

وإلى أن يقول القضاء الإيطالي كلمته النهائية، ستظل وفاة عبد الرحيم فقير حدثا مؤلما يطرح أسئلة تتجاوز حدود بولونيا، لتشمل مستقبل العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان في أوروبا، ومدى قدرة المؤسسات الديمقراطية على تحقيق العدالة والإنصاف، ليس فقط لعائلة الضحية، بل للمجتمع بأسره الذي ينتظر أن تكون الحقيقة فوق كل اعتبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com