تصاعد التوتر الإعلامي بين الجزائر وتونس بعد هجوم صحف جزائرية على الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي

مجدي فاطمة الزهراء

عادت العلاقات الإعلامية والسياسية بين الجزائر وتونس إلى واجهة النقاش الإقليمي، بعد الحملة التي شنتها وسائل إعلام جزائرية ضد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، على خلفية تصريحات أدلى بها خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة “فرانس 24”، انتقد فيها مسار الأوضاع السياسية في تونس.

وأفردت بعض الصحف الجزائرية تغطية واسعة لتصريحات المرزوقي، حيث اختارت صحيفة “الخبر” وضع صورته على صفحتها الأولى تحت عنوان يحمل اتهامات مباشرة، معتبرة أنه يسعى إلى “تدويل الأزمة التونسية” وخدمة أجندات خارجية، بينما ذهبت صحيفة “المساء” الناطقة بالفرنسية إلى اتهامه بالعمل لصالح أطراف إقليمية وبالسعي إلى زعزعة استقرار تونس.

وأثارت هذه التغطية ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية التونسية، حيث اعتبر عدد من النشطاء والفاعلين المدنيين أن تناول الصحافة الجزائرية للشأن التونسي يمثل تدخلاً في النقاش الداخلي، داعين إلى احترام سيادة تونس وحق التونسيين في إدارة خلافاتهم السياسية بعيداً عن التأثيرات الخارجية.

وفي هذا السياق، رأى الناشط التونسي حبيب البحري أن بلاده تعرضت، على مدى سنوات، لتدخلات إقليمية أثرت في مسارها السياسي، معتبراً أن نجاح التجربة الديمقراطية التونسية لم يكن محل ترحيب لدى بعض الأنظمة في المنطقة. كما دعا إلى قراءة التحولات السياسية من منظور إقليمي أوسع، بعيداً عن الخطابات الشعبوية والاستقطابات الإيديولوجية.

كما عبر عدد من النشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن تضامنهم مع منصف المرزوقي، معتبرين أن الانتقادات الموجهة إليه تندرج ضمن حملة سياسية وإعلامية تستهدف الشخصيات المدافعة عن الانتقال الديمقراطي في تونس، بينما دعا آخرون الجزائر إلى النأي بنفسها عن التجاذبات السياسية الداخلية في البلد المجاور.

وتزامنت هذه التطورات مع قرار وزارة الشؤون الخارجية التونسية استدعاء السفيرة الفرنسية لدى تونس للاحتجاج على بث المقابلة التي أجرتها قناة “فرانس 24” مع الرئيس السابق، والتي تضمنت انتقادات حادة للسلطات التونسية، في خطوة عكست حساسية المرحلة السياسية التي تعيشها البلاد.

ويأتي هذا السجال الإعلامي في سياق إقليمي يتسم بتزايد التداخل بين الإعلام والسياسة، حيث أصبحت وسائل الإعلام، إلى جانب المنصات الرقمية، فاعلاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام وفي إدارة الخلافات بين الدول، وهو ما يثير نقاشاً متجدداً حول حدود حرية التعبير، وأخلاقيات التغطية الإعلامية، واحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

ويشير مراقبون إلى أن العلاقات الجزائرية التونسية، رغم ما يجمعها من روابط تاريخية وجغرافية واستراتيجية، شهدت خلال السنوات الأخيرة تبايناً في بعض المقاربات السياسية، خاصة فيما يتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية في تونس. كما سبق للرئيس الأسبق منصف المرزوقي أن وجه انتقادات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، داعياً إياه إلى تجنب الإدلاء بتصريحات يمكن أن تُفهم على أنها تدخل في الشأن الداخلي التونسي، وذلك عقب حديث تبون عن جهود بلاده لتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية التونسية.

وتؤكد هذه التطورات أن التوترات الإعلامية باتت تعكس في كثير من الأحيان الخلافات السياسية الإقليمية، وأن الخطاب الإعلامي أصبح جزءاً من أدوات التأثير الدبلوماسي غير المباشر، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الإعلامية التزام أعلى درجات المهنية والدقة، خصوصاً عند تناول القضايا المرتبطة بسيادة الدول واستقرارها الداخلي، بما يضمن الفصل بين نقل الوقائع والتعليق السياسي، ويكرس إعلاماً مسؤولاً يسهم في التهدئة بدل تعميق الاستقطاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com