حرائق الجزائر تعيد فتح ملف إدارة الكوارث: مأساة بشرية وأسئلة حول الوقاية والاستجابة
ماريا الزاكي
تحولت مناطق واسعة من شمال وشرق الجزائر إلى مساحات ملتهبة، مع اندلاع موجة حرائق متزامنة طالت ما لا يقل عن 16 ولاية، مخلفة خسائر بشرية ومادية كبيرة، ومجددة النقاش حول قدرة منظومة الاستجابة للطوارئ على التعامل مع الكوارث الطبيعية في ظل ظروف مناخية تزداد قسوة عامًا بعد عام.
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن الحصيلة الأخيرة، أسفرت الحرائق عن 12 وفاة وعشرات الإصابات، فيما سجلت ولاية جيجل العدد الأكبر من الضحايا بخمس حالات وفاة، تلتها بجاية بأربع وفيات، ثم تيزي وزو بثلاثة أفراد من الأسرة نفسها. ومع احتساب ضحايا موجة الحرائق التي شهدتها البلاد خلال الشهر الماضي، ترتفع الحصيلة الإجمالية منذ بداية الصيف إلى 18 وفاة، وفق الأرقام الواردة.
ولم تكن الخسائر البشرية وحدها عنوان المشهد. فقد تحدثت مصالح الحماية المدنية عن نحو 193 حريقًا في وقت متزامن، في ظروف ميدانية اتسمت بسرعة انتشار النيران وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق الجبلية والغابية.
إجلاء السكان أمام تمدد النيران
دفعت خطورة الوضع السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء احترازية لعدد من العائلات في مناطق من بينها تاكسنة وبرج الطهر وتوجة وملبو، بينما وجد سكان بعض القرى أنفسهم أمام خيار مغادرة منازلهم بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا.
وتناقلت تقارير عن لجوء مواطنين إلى المساجد والمدارس ومكاتب البريد للاحتماء من ألسنة اللهب والدخان الكثيف، في مشاهد عكست حجم الضغط الذي تعرضت له التجمعات السكنية القريبة من بؤر الحرائق.
وفي خضم هذه التطورات، أعلنت الرئاسة الجزائرية الحداد الوطني وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، في خطوة عكست ثقل الخسائر البشرية التي خلفتها الكارثة.
بين العامل المناخي والمسؤولية البشرية
تأتي هذه الحرائق في سياق مناخي بالغ الصعوبة، مع تسجيل درجات حرارة مرتفعة جدًا في عدد من المناطق، وصلت في بعض الحالات إلى مستويات تقارب 48 درجة مئوية. وتساهم موجات الحر الطويلة في تجفيف الغطاء النباتي ورفع قابلية المناطق الغابية للاشتعال، خصوصًا عندما تتزامن مع الرياح وغياب الرطوبة.
غير أن العامل المناخي لا يفسر وحده بالضرورة جميع الحرائق. فالسلوك البشري والإهمال، إلى جانب بعض الأنشطة الزراعية والعمرانية، يمكن أن تكون عوامل إضافية في اندلاع الحرائق وانتشارها. ولذلك فإن تحديد المسؤوليات يتطلب انتظار نتائج التحقيقات الرسمية بدل اختزال الظاهرة في تفسير واحد.
وهنا يبرز تحدي الوقاية. فالحرائق الكبرى لا تبدأ بالضرورة ككوارث واسعة النطاق، لكنها تتحول إلى ذلك عندما تتوافر ظروف طبيعية وميدانية تسمح للنيران بالتمدد بسرعة، خصوصًا في المناطق التي تعاني من تضاريس صعبة أو ضعف في البنية التحتية المخصصة للتدخل.
التحقيقات تفتح ملف «التخريب المتعمد»
في موازاة عمليات الإطفاء والإنقاذ، تحركت الأجهزة الأمنية والقضائية للتحقيق في أسباب اندلاع عدد من الحرائق، مع توقيف 11 شخصًا وإيداعهم الحبس المؤقت على خلفية شبهات تتعلق بالتخريب المتعمد، وفق المعطيات الواردة.
وتظل فرضية الفعل المتعمد من بين السيناريوهات التي يتعين على التحقيقات القضائية التحقق منها، غير أن إثبات المسؤولية الجنائية يظل مرتبطًا بالأدلة ونتائج التحقيقات، وليس بمجرد انتشار الاتهامات في الفضاء العام.
وفي المقابل، أثارت هذه التطورات نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا حول طريقة إدارة السلطات للأزمة، ومدى استعداد المنظومة الوطنية للتعامل مع حرائق واسعة النطاق ومتزامنة.
من المعدات إلى الجاهزية الميدانية
أعادت الكارثة كذلك إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بالفارق بين امتلاك وسائل التدخل وبين القدرة الفعلية على استخدامها بكفاءة في الميدان.
فالاستجابة للحرائق في المناطق الجبلية لا تعتمد فقط على الطائرات والمروحيات وشاحنات الإطفاء، وإنما تحتاج أيضًا إلى شبكة من المراكز المتقدمة، ومسالك تسمح بوصول فرق الإنقاذ بسرعة، ونقاط للمياه، وممرات آمنة، ومناطق عازلة تحد من انتقال النيران.
وتزداد صعوبة المهمة عندما تكون البؤر متباعدة ومتزامنة، إذ تصبح سرعة الانتشار عاملًا حاسمًا. وفي هذه الحالة، يمكن لأي تأخر في الوصول إلى موقع الحريق أن يحول حريقًا محدودًا إلى جبهة واسعة يصعب احتواؤها.
الوقاية قبل موسم الحرائق
تكشف موجة الحرائق الحالية، قبل كل شيء، أن إدارة الكوارث لا يمكن أن تبدأ عند اندلاع النيران. فالاستعداد الحقيقي يبدأ خلال الأشهر التي تسبق موسم الحرائق، عبر تنظيف الغابات، وفتح المسالك، وإنشاء خطوط ومصدات للنيران، وتأمين مصادر المياه، وتوسيع شبكات المراقبة والإنذار المبكر، وتعزيز قدرات فرق التدخل في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف يفرضان مراجعة السياسات التقليدية المتعلقة بإدارة الغابات والتهيئة العمرانية، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها التجمعات السكنية مع المجال الغابوي.
إن المأساة التي خلفتها حرائق صيف 2026 لا ينبغي أن تُختزل في عدد الضحايا أو حجم الأضرار. فالاختبار الحقيقي لأي دولة أمام الكوارث الطبيعية يكمن في قدرتها على التعلم من كل أزمة، وتحويل الخسائر إلى سياسات وقائية أكثر فعالية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الكارثة يتجاوز البحث عن المسؤول المباشر عن اندلاع هذا الحريق أو ذاك: هل تمتلك الجزائر منظومة وقائية قادرة على مواكبة واقع مناخي جديد أصبحت فيه الحرائق الكبرى أكثر احتمالًا وأشد سرعة وانتشارًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تكون في البيانات الرسمية وحدها، وإنما في ما ستكشفه التحقيقات، وفي الإجراءات التي ستُتخذ بعد انحسار النيران، وفي مدى قدرة المؤسسات على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الوقاية منها.