غياب المراقبة الصارمة للأسعار وتأجير الإقامات السياحية بالمغرب… تحديات تؤثر في القدرة التنافسية للوجهة السياحية
بوشعيب البازي
يشكل قطاع السياحة أحد أهم روافد الاقتصاد المغربي، حيث يساهم في خلق فرص الشغل، وجلب العملة الصعبة، وتعزيز صورة المملكة كوجهة تجمع بين التنوع الثقافي والطبيعي. غير أن الحفاظ على تنافسية هذا القطاع لا يرتبط فقط بجمال الوجهات السياحية أو جودة البنيات التحتية، بل يعتمد كذلك على وجود سوق منظمة تحكمها الشفافية، وتكافؤ الفرص، وحماية المستهلك.
ومع كل موسم صيفي، تعود إلى الواجهة شكاوى عدد من السياح، سواء المغاربة أو الأجانب، إضافة إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بشأن التفاوت الكبير في أسعار الخدمات بالمقاهي والمطاعم. ففي العديد من المدن والمناطق السياحية، يلاحظ غياب مرجع واضح للأسعار، ما يجعل ثمن الوجبة أو المشروب يختلف بشكل كبير من مؤسسة إلى أخرى، وأحياناً داخل المنطقة نفسها، دون أن يكون هذا الاختلاف مرتبطاً دائماً بجودة الخدمة أو مستوى المؤسسة.
هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود مخالفات في جميع الحالات، لأن حرية الأسعار تعد مبدأً معمولاً به في العديد من القطاعات. غير أن غياب المراقبة المنتظمة لإشهار الأسعار، وعدم إلزامية عرضها بشكل واضح وشفاف، يفتح المجال أمام بعض الممارسات التي تثير استياء الزبائن، خاصة خلال فترات الذروة السياحية، حيث يرتفع الطلب بشكل كبير.
ولا يقتصر الأمر على خدمات الإطعام، بل يمتد إلى سوق كراء المنازل والشقق الموجهة للإيواء السياحي، الذي يعرف توسعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. فقد أصبح بإمكان أي شخص تقريباً عرض شقة أو منزل للكراء الموسمي، سواء عبر المنصات الرقمية أو بطرق مباشرة، في ظل تفاوت واضح في شروط الاستقبال والسلامة والجودة.
ويثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى خضوع جميع هذه الإقامات للمراقبة الإدارية، واحترامها لمعايير السلامة، والتجهيزات الأساسية، والتصريح بالنشاط وفق القوانين الجاري بها العمل. فالإيواء السياحي ليس مجرد معاملة تجارية، بل يرتبط أيضاً بحماية المستهلك، وضمان أمن الزوار، والحفاظ على سمعة الوجهة السياحية الوطنية.
كما أن غياب إطار تنظيمي أكثر صرامة يؤدي إلى منافسة غير متكافئة مع المؤسسات الفندقية ودور الضيافة المرخصة، التي تتحمل التزامات قانونية ومالية وضريبية، وتخضع لمراقبة دورية، بينما قد تمارس بعض الإقامات غير المهيكلة النشاط نفسه دون التقيد بالمعايير ذاتها.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن استقرار الأسعار ووضوحها يعدان من أهم عناصر جذب السياح. فالزائر الذي يشعر بالثقة في السوق المحلية يكون أكثر استعداداً لتمديد مدة إقامته، والعودة مستقبلاً، والتوصية بالمغرب كوجهة سياحية لعائلته وأصدقائه. أما التجارب السلبية المرتبطة بالإحساس بارتفاع الأسعار أو عدم وضوحها، فإنها تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع تقييم الخدمات، وهو ما قد يؤثر على صورة الوجهة السياحية أكثر من أي حملة ترويجية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الخبراء أن المرحلة الحالية تستدعي تعزيز آليات مراقبة الأسواق، ليس بهدف فرض أسعار موحدة، وإنما لضمان احترام قواعد المنافسة الشريفة، وإلزام المؤسسات بإشهار الأسعار بشكل واضح، والتصدي للممارسات المخالفة التي تضر بالمستهلك وبالمهنيين الملتزمين في الوقت نفسه.
كما يدعو مختصون إلى اعتماد منظومة أكثر تنظيماً لكراء المنازل والشقق السياحية، تقوم على منح تراخيص واضحة، وإخضاع الإقامات لمعايير السلامة والصحة، وإلزامها بالتصريح بالنشاط، مع وضع آليات فعالة للمراقبة والتتبع، بما يضمن حقوق المالك والمكتري والدولة على حد سواء.
إن تطوير القطاع السياحي لا يقتصر على استقطاب أعداد أكبر من الزوار، بل يمر أيضاً عبر بناء الثقة في السوق، وترسيخ ثقافة الجودة والشفافية. فالمغرب يمتلك كل المقومات الطبيعية والثقافية ليظل من أبرز الوجهات السياحية في حوض البحر الأبيض المتوسط، غير أن استدامة هذا النجاح تتطلب مواكبة تنظيمية تضمن حماية المستهلك، وتشجع الاستثمار المسؤول، وتكرس المنافسة النزيهة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة المملكة على خريطة السياحة الدولية.